رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا عبرت الدجاجة المضيق؟

18 حجم الخط

سؤال يبدو بسيطا، لكنه في زمننا لم يعد بريئا، لم تعد الدجاجة تعبر الطريق فقط.. صارت تعبر مضيقا، اسمه مضيق هرمز، حيث لا تقاس المسافات بالأمتار، بل ببراميل النفط، وصواريخ القلق، وبيانات القلق الأكبر، هناك، كل خطوة لدجاجة قد تحسب كتحرك عسكري، وكل ريشة قد تقرأ كرسالة مشفرة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما إسرائيل تراقب المشهد كمن ينتظر لحظة العبور المناسبة.

 

لو سألت رينيه ديكارت اليوم، ربما كان سيعدل جملته: أنا أعبر إذن أنا موجود، لأن البقاء في مكانك صار خطرا أكبر من الحركة، أما كارل ماركس فسيقول إن الدجاجة ليست حرة في عبورها، بل مدفوعة بصراع طبقي.. لكن هذه المرة بين قوى عظمى تتصارع على من يملك الطريق نفسه، لا فقط من يعبره.

 

بينما الآن في هذا العالم الذي يشبه مؤتمرا كبيرا طويلا من التناقضات، سيقف نيكولو مكيافيلي مبتسما: المهم أن الدجاجة عبرت.. أما السبب، فيكتب لاحقا في البيانات الرسمية، وهنا يظهر المتحدث باسم كل شيء، نسخة محدثة من ريتشارد نيكسون، ليؤكد لنا أن الدجاجة لم تعبر أصلا.. وما رأيناه مجرد إعادة تموضع تكتيكي للريش.

 

لكن الحقيقة الأكثر سخرية أن الدجاجة نفسها لم تعد تعرف لماذا تعبر، هل تهرب من ضربة متوقعة؟ أم تبحث عن أمان مؤقت؟ أم أنها فقط تحاول أن تعيش يوما عاديا في عالم غير عادي؟ ربما لو سألنا ألبرت أينشتاين، لقال إن المسألة نسبية: الدجاجة تعبر، نعم.. لكن الخطر أيضا يعبر معها.

 

وفي الخلفية لا يزال صوت مارتن لوثر كينج جونيور يتردد، لكن بشكل ساخر هذه المرة: لدي حلم.. أن تعبر الدجاجة دون أن تتهم بإشعال حرب، حلم يبدو اليوم أكثر خيالية من أي وقت مضى، لأن العبور لم يعد فعلا بسيطا، بل بيانا سياسيا، وربما شرارة.

 

السؤال إذن لم يعد: لماذا عبرت الدجاجة؟ بل: هل كانت تملك رفاهية ألا تعبر؟                         نحن اليوم نعيش زمنا تتحول فيه الطرق إلى جبهات، والمضايق إلى أعصاب مكشوفة للعالم، لهذا قد تكون الدجاجة آخر من يعلم أنها دخلت لعبة أكبر منها، لعبة، كما بدأها الكبار، لا يعرفون هم أنفسهم كيف ينهونها.

ربما.. وربما فقط.. كانت الدجاجة أذكى منا جميعا، لأنها لم تنتظر تفسيرا، ولم تصدر بيانا، ولم تدخل في تحليل. هي فقط.. عبرت.

الجريدة الرسمية