رئيس التحرير
عصام كامل

صرخة طلاب الفرصة الواحدة

18 حجم الخط

وصلتني رسائل خاصة من طلاب ينتمون إلى ما يسمى دفعات الفرصة الواحدة في الثانوية العامة، رسائل هادئة في لغتها لكنها قاسية في معناها، أصحابها لا يرفعون سقف المطالب، ولا يطلبون استثناءات، بل يسألون سؤالا بسيطا ومشروعا.. لماذا تتاح فرص التحسين وتعدد المحاولات لطلاب اليوم بنظام البكالوريا، بينما يغلق الباب ذاته في وجه طلاب الأمس؟

 

مع تطبيق نظام البكالوريا الجديد، تغيرت الفلسفة التعليمية جذريا لم يعد مستقبل الطالب مرهونا بامتحان واحد حاسم، بل أصبح قائما على مسارات متعددة، ومحاولات تحسين، وتخفيف الضغط النفسي، والاعتراف بأن التقييم العادل لا يتحقق بلحظة واحدة، هذه الفلسفة في جوهرها صحيحة تربويا وإنسانيا، لكن الإشكال يبدأ حين تطبق على فئة وتحجب عن أخرى تحمل المركز القانوني ذاته.


طلاب الدفعات السابقة دخلوا منظومة مختلفة تماما.. إمتحان واحد حيث لا تحسين لا إعادة، لا فرصة ثانية اليوم، يشاهدون نظاما جديدا يبنى على نقيض ما عاشوه، دون أن يمنحوا حق الاستفادة منه، أو حتى جزءا منه هنا لا نتحدث عن مقارنة عاطفية، بل عن فجوة حقيقية في تكافؤ الفرص.

 

الطلب المطروح ليس عبثيا.. إتاحة إعادة السنة أو تحسين المجموع لدفعات ما قبل البكالوريا، حتى ولو بمقابل مادي، ووفق ضوابط تنظيمية دقيقة، ومن دون إرباك المنظومة التعليمية ببساطة.. نفس الفرصة بنفس القواعد.


الدستور المصري واضح في هذا الشأن المادة (9) تلزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص، والمادة (19) تكفل الحق في التعليم المادة (53) تحظر التمييز بين المواطنين لأي سبب وقد استقر قضاء مجلس الدولة على أن التفرقة بين فئات لها المركز القانوني نفسه تعد إخلالا صريحا بمبدأ المساواة.

 

قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 لا يتضمن نصا يمنع إعادة الدراسة أو تحسين المجموع والأصل في التشريع هو الإباحة، ما لم يرد نص بالحظر كما أن القرارات الوزارية، أيا كانت مبرراتها، لا يجوز لها أن تنشئ حظرا يخالف الدستور أو يتجاوز التفويض التشريعي من هذا المنطلق، يصبح منع التحسين قرارا إداريا قابلا للنقاش، لا حقيقة قانونية نهائية.

 

الأكثر إرباكا أن طلاب الشهادات الدولية يسمح لهم بإعادة المواد وتحسين النتائج، بينما يحرم طالب الثانوية العامة المصرية من الحق ذاته هذا تمييز صريح، يصعب تبريره تربويا أو دستوريا، ويطرح سؤالا بسيطا..على أي أساس تقاس العدالة هنا؟


في معظم النظم التعليمية حول العالم، إعادة المواد وتحسين النتائج جزء طبيعي من المنظومة الهدف ليس التسهيل المفرط، بل الوصول إلى تقييم أقرب للقدرات الحقيقية للطالب الامتحان الواحد الحاسم بات نموذجا متراجعا لأنه يهدر طاقات بشرية، ويختزل مستقبل إنسان في ظرف قد لا يكون عادلا.

 

الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها مصر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات اليونسكو لمكافحة التمييز.. كلها تؤكد على حق التعليم العادل والمتكافئ كما أن التزامات مصر في إطار الشراكة العالمية من أجل التعليم تفرض سياسات تتيح فرصا متعددة، وتحد من الهجرة التعليمية، وتقلل الاعتماد على الدروس الخصوصية.

الأخطر أن فكرة إعادة التحسين طرحت في فترات سابقة، ما خلق لدى الطلاب توقعا مشروعا لم ينفذ حتى الآن هذا التأجيل المتكرر لا يبدد الأمل فقط، بل يعمق الشعور بالظلم فحين تعترف الدولة ضمنيا بأحقية فكرة ما، ثم تتراجع عن تطبيقها، فإنها لا تغلق بابا إداريا فحسب، بل تترك جرحا مفتوحا في ثقة المواطنين بالمنظومة.

إذا كانت فلسفة التحسين صحيحة للطلاب الجدد، فهي صحيحة بل أولى للطلاب القدامى فالعدالة لا تجزأ ولا تقاس بتاريخ الدفعة.. والمطلوب الآن قرار شجاع من وزارة التربية والتعليم المصرية يعيد فتح باب التحسين لدفعات ما قبل البكالوريا بضوابط واضحة ورسوم إن لزم الأمر لكن بروح إنصاف حقيقية.

التعليم ليس سباق إقصاء، ولا اختبار نجاة من محاولة واحدة وأحيانا، تكون الفرصة الثانية.. هي الفرصة العادلة الأولى.

الجريدة الرسمية