متخصص في التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي ضرورة اقتصادية وليس ترفا
شهدت القاهرة مناقشة تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل القطاع الخاص في العالم العربي، خلال ندوة متخصصة ناقشت أيضا انعكاسات التحولات التكنولوجية على بيئات الأعمال والشركات والمؤسسات في وقت يقف فيه القطاع الخاص في العالم العربي أمام مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والرقمية، مع التوسع الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وما يرافقه من تغيّرات في أساليب الإدارة والإنتاجية والتنافسية وسوق العمل.
دور الذكاء الاصطناعي
سلّطت الندوة الضوء على التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، والدور المتنامي الذي بات يلعبه الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل بيئة الأعمال والقطاع الخاص في العالم العربي، وتأثيره على الإنتاجية والعمليات التشغيلية وآليات اتخاذ القرار، وانعكاسات ذلك على مستقبل الشركات والتنافسية والنمو الاقتصادي ومستقبل التحول الرقمي داخل الشركات والمؤسسات في المنطقة العربية.
تناولت الندوة التى استضافتها مؤسسة الأهرام عددًا من المحاور المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الشركات والوظائف، ومستوى الجاهزية الرقمية في الأسواق العربية، والفجوة المتوقعة بين الشركات التي تمتلك القدرة على توظيف التكنولوجيا بصورة استراتيجية، وتلك التي تتأخر في مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، إلى جانب مناقشة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، والتحديات المرتبطة بالبيانات والحوكمة والأمن الرقمي.
كما ناقشت الندوة أبرز المفاهيم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والفروق بين الذكاء الاصطناعي التقليدي، وتعلم الآلة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، إضافة إلى استعراض الاستخدامات العملية لهذه التقنيات داخل الشركات، خاصة في مجالات تحليل البيانات، وخدمة العملاء، والتسويق، والأتمتة، وتحسين الكفاءة التشغيلية.
كما استعرضت الندوة عددًا من التجارب الدولية في التحول الاقتصادي والتكنولوجي، مثل سنغافورة وماليزيا وبنجلاديش وبعض دول أوروبا الشرقية، وكيف استطاعت هذه الدول بناء نماذج اقتصادية أكثر قدرة على المنافسة من خلال الاستثمار في التكنولوجيا وتنمية المهارات، وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز دور القطاع الخاص.
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ملفٍ تقني أو ترفٍ تكنولوجي هذا ماأكده الدكتور نضال أبوزكي المختصص في مجال التكنولوجيا، مشيرا إلى أنه أصبح عاملًا اقتصاديًا مؤثرًا بصورة مباشرة في الإنتاجية والتنافسية والاستثمار، موضحا أن تقديرات دولية تتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي عالميًا إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، في وقت تستخدم فيه نحو 78% من المؤسسات العالمية تطبيقات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل.
أشار إلى أن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز حدود التكنولوجيا، لتطال مفاهيم النفوذ الاقتصادي والتنافسية العالمية، موضحًا أن البيانات أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد الحديث، وأن الشركات لم تعد تتنافس على المنتجات والخدمات فقط، بل على امتلاك البيانات والقدرة على تحليلها وتوظيفها في اتخاذ القرار وصناعة القيمة المضافة.
أوضح أن القطاع الخاص العربي يمر بمرحلة تحول مهمة، مدفوعًا بتغير سلوك الأسواق، وارتفاع المنافسة، وتوسع الاقتصاد الرقمي عالميًا، لافتًا إلى أن القطاع الخاص يساهم بنحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، فيما يساهم في مصر بنحو 70% من الناتج المحلي ويوظف نحو 80% من العاملين، بينما تمثل الأنشطة غير النفطية في الإمارات على سبيل المثال نحو 77% من الناتج المحلي، وفي المملكة العربية السعودية بأكثر من 55%، ما يعكس تنامي دور الاقتصاد الرقمي والقطاعات غير التقليدية في المنطقة.
وأكد أن التحوّل المرتبط بالذكاء الاصطناعي لن يقتصر على التكنولوجيا فقط، بل سيمتد إلى سوق العمل والمهارات المطلوبة، في ظل تقديرات دولية تشير إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميًا قد تتأثر بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فيما يُتوقع أن تتغير نحو 44% من المهارات الحالية خلال السنوات الخمس المقبلة، مشيرا إلى أن اقتصادات خليجية مثل الإمارات والسعودية تمتلك مستويات متقدمة من الجاهزية الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية، في حين تبرز مصر كواحدة من أكبر الأسواق العربية من حيث حجم الفرص البشرية والشركات الناشئة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطًا فقط بتبني التكنولوجيا، بل بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى قيمة اقتصادية وإنتاجية حقيقية.
ولفت إلى أن الاقتصادات المقبلة ستُقاس بقدرتها على إنتاج التكنولوجيا وليس استهلاكها فقط، مؤكدًا أن الدول التي تنجح في بناء منظومات محلية للذكاء الاصطناعي ستكون الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة محذرا من التعامل العشوائي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن ما بين 70% و80% من مشاريع الذكاء الاصطناعي لا تحقق العائد المتوقع بسبب غياب الاستراتيجية الواضحة أو ضعف الجاهزية المؤسسية، وأن التحدي الحقيقي اليوم يبرز في قدرة المؤسسات على توظيف التكنولوجيا بصورة استراتيجية تحقق قيمة اقتصادية وإنتاجية حقيقية، وليس في امتلاكها فقط.
واكد أن إحدى أكبر الإشكاليات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتمثل في المبالغات والتصورات غير الواقعية حوله، موضحًا أن الحديث عن اختفاء الوظائف بالكامل لا يعكس الصورة الحقيقية للتحولات الجارية، إذ إن التأثير الأكبر سيكون في إعادة تشكيل الوظائف والمهارات المطلوبة، وليس الاستغناء الكامل على العنصر البشري.
ارتفاع الطلب على مهارات تحليل البيانات
وأوضح أن السنوات المقبلة ستشهد ارتفاع الطلب على المهارات المرتبطة بتحليل البيانات والتفكير التحليلي واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات الإنسانية التي يصعب استبدالها مثل الإبداع والتواصل والقيادة.
وًأكد أن القدرة على التكيُّف مع التحولات الرقمية ستصبح من أهم عوامل الاستمرار والنجاح في سوق العمل الجديد مشددا على أن العالم العربي يمتلك فرصًا كبيرة للاستفادة من التحولات التكنولوجية الحالية، لكنه يحتاج إلى تسريع وتيرة تطوير البنية الرقمية وتعزيز بيئة الابتكار والاستثمار في التعليم والمهارات، وربط استخدام التكنولوجيا باحتياجات الاقتصاد الحقيقي ومتطلبات الأسواق.




