رئيس التحرير
عصام كامل

ما ينفع الناس!

18 حجم الخط

عافية المجتمعات وقوتها تتأسس على منظومة من القيم التي تشبه الأعمدة الخفية في البناء؛ قد لا تُرى بالعين المجردة، لكنها إن اختلت إنهار البناء كله. وقد لخّصت الحكمة الإنسانية والدينية عبر العصور بعض هذه القيم في عبارات قصيرة لكنها عميقة الدلالة: شيئان لا يدومان، وشيئان ينفعان، وشيئان يرفعان، وشيئان يدفعان البلاء. 

وفي تأمل هذه المعاني يتكشف لنا أن الحضارات لا تُبنى بالمال وحده ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل بمنظومة أخلاقية تحفظ المجتمع من التآكل الداخلي.
 

أولى هذه الحقائق أن شيئَين لا يدومان وهما: الشباب والقوة. فالشباب مرحلة عابرة في حياة الإنسان، والقوة مهما عظمت فإنها إلى أفول وزوال. ولذلك يذكّر القرآن الإنسان بحقيقة التحول بين مراحل العمر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفًا وَشَيبَةً﴾، وفي هذا التذكير دعوة إلى عدم الاغترار بما يملك الإنسان من فتوة أو قدرة..

 

فالمجتمعات التي تبني رؤيتها على منطق القوة المجردة غالبًا ما تقع في فخ الغرور ثم السقوط. وقد نبّه النبي ﷺ إلى قيمة الشباب بوصفه أمانة ومسؤولية، فقال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع… وعن شبابه فيما أبلاه». فالشباب إذا استُثمر في البناء والعلم والعمل صار رصيدًا للأمة، أما إذا استُهلك في اللهو والفراغ فإنه يتحول إلى طاقة مهدرة. 

 

والسؤال المؤلم الذي يطرح نفسه اليوم: هل ما زالت مجتمعاتنا العربية قادرة على تحويل طاقة شبابها إلى قوة حضارية بناءة؟ أم أن جزءًا من هذه الطاقة يضيع بين البطالة والإحباط وصخب الاستهلاك؟

 إن الأمم التي تدرك أن القوة مؤقتة، تسعى إلى ترسيخ القيم التي تبقى بعد أفول القوة الجسدية، فتستثمر الشباب في المعرفة والإنتاج ولا تتركهم فريسة للاحباط ولا اللهو ولا الضجيج العابر.


أما الصنف الثاني فهو شيئان ينفعان: حسن الخلق وسماحة النفس. وهما في الحقيقة رأس المال الأخلاقي لأي مجتمع. وقد جعل الإسلام حسن الخلق من أعظم القيم، حتى قال الله تعالى في وصف نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وقال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». 

 

فالمجتمع الذي تسوده الأخلاق لا يحتاج إلى كثرة القوانين، لأن الضمير فيه يقوم مقام الرقيب. وسماحة النفس هي الوجه الآخر لحسن الخلق؛ فهي القدرة على العفو، وعلى التسامح، وعلى احتمال اختلاف الناس دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة. وقد وصف القرآن أهل الفضل بقوله: ﴿وَليَعفوا وَليَصفَحوا أَلا تُحِبّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾. 

 

إن التسامح لا يعني الضعف، بل يعني النضج الأخلاقي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل لا تزال هذه القيم حيّة في مجتمعاتنا، أم أنها تراجعت أمام موجات الأنانية والاستقطاب؟ إن المجتمع الذي يفقد سماحته يفقد تدريجيًا قدرته على التعايش، بينما المجتمع المتسامح يملك قدرة عجيبة على احتواء الأزمات.


أما الصنف الثالث فهو شيئان يرفعان: التواضع وقضاء حوائج الناس. وهما من أعظم أسباب رفعة الإنسان والمجتمع. فالتواضع ليس مجرد خفض الجناح للناس، بل هو إدراك عميق أن الكرامة الإنسانية مشتركة بين البشر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحمٰنِ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا﴾. وقال النبي ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه». فالتواضع يرفع صاحبه في أعين الناس قبل أن يرفعه الله في الدرجات. 

 

أما قضاء حوائج الناس فهو التعبير العملي عن روح التكافل، وقد قال النبي ﷺ: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس». وفي هذا المعنى سرّ قوة المجتمعات المتماسكة؛ فحين يشعر الفرد أن المجتمع يسانده ويقف معه، يتحول المجتمع كله إلى شبكة أمان إنسانية. 

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زالت روح التكافل حاضرة في حياتنا اليومية؟ أم أن الفردانية بدأت تضعف هذه الروابط؟


ثم يأتي الصنف الرابع: شيئان يدفعان البلاء، وهما الصدقة وصلة الأرحام. فالصدقة ليست مجرد إعطاء مال، بل هي إعلان تضامن إنساني يخفف آلام الفقراء ويعيد التوازن الاجتماعي. وقد قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُم في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنابِلَ﴾. وقال النبي ﷺ: «داووا مرضاكم بالصدقة». 

 

أما صلة الأرحام فهي السياج الاجتماعي الذي يحفظ الأسرة من التفكك، وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَساءَلونَ بِهِ وَالأَرحامَ﴾، وقال النبي ﷺ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه». إن صلة الرحم ليست مجرد زيارة عابرة، بل هي شبكة تضامن اجتماعي تحمي المجتمع من العزلة والقطيعة.


وفي خضم عالم يموج بالصراعات والحروب، تبرز أحيانًا مشاهد إنسانية بسيطة لكنها عميقة الدلالة على بقاء جذوة الخير في المجتمعات. ومن أجمل هذه المشاهد في مصر ما عُرف بـ“مائدة المطرية” في رمضان، حيث يجتمع الناس على مائدة إفطار تمتد في الشوارع، يشارك فيها الغني والفقير، الكبير والصغير، في صورة تكاد تختصر روح المجتمع المصري القائمة على الكرم والتكافل. 

هذه المائدة ليست مجرد طعام، بل رسالة حضارية تقول إن روح الجماعة ما زالت حيّة، وأن مصر رغم ما يحيط بالمنطقة من حرائق الحروب والصراعات، لا تزال تحتفظ بقدرتها على إنتاج الفرح الجماعي والتضامن الإنساني.


وهنا يفرض الواقع أسئلته الثقيلة: كيف استطاعت بعض المجتمعات أن تنزلق إلى حروب مدمرة تحصد الشعوب وحدها ثمارها المرة، بينما ينشغل الساسة بصراعات السلطة والنفوذ؟ ولماذا تتحمل الشعوب غالبًا كلفة حماقة القادة واندفاع السلطة الغاشمة؟ أليس في قيم الأخلاق والتواضع والتكافل ما يمكن أن يكون حصانة أخلاقية ضد هذا الجنون السياسي؟

إن الجواب ربما يكمن في العودة إلى تلك القيم البسيطة التي تبدو في ظاهرها أخلاقًا فردية لكنها في الحقيقة أسس حضارية كبرى: إدراك أن القوة لا تدوم، وأن الأخلاق هي الرصيد الحقيقي، وأن التواضع وخدمة الناس طريق الرفعة، وأن الصدقة وصلة الرحم تقي المجتمعات من البلاء. 

فإذا بقي من هذه القيم شيء حي في مجتمعاتنا، فإن الأمل في التعافي والبناء سيبقى قائمًا مهما اشتدت العواصف. أما إذا تآكلت هذه القيم، فإن المجتمعات تصبح أكثر هشاشة، حتى لو امتلكت المال والسلاح.

وهكذا تبقى الحقيقة البسيطة: الأمم لا تحفظها الجيوش وحدها، بل تحفظها الأخلاق. والبلدان التي تحرسها القيم، تحرسها -قبل ذلك- عناية الله.

الجريدة الرسمية