رئيس التحرير
عصام كامل

العدالة الضريبية!

18 حجم الخط

لم تعد مسألة العدالة الضريبية في مصر مجرد نقاش اقتصادي تقني يتعلق بالأرقام والموازنات، بل أصبحت سؤالًا اجتماعيًا وسياسيًا يمس طبيعة توزيع الأعباء داخل المجتمع: من يتحمل تكلفة الدولة فعليًا؟ وهل تعكس الزيادة الكبيرة في الإيرادات الضريبية تحسنًا حقيقيًا في الاقتصاد أم إعادة توزيع للعبء نحو الفئات الأسهل تحصيلًا؟ 


الحساب الختامي للعام المالي 2025/2024 يكشف عن ارتفاع ملحوظ في الإيرادات الضريبية لتصل إلى نحو 2.2 تريليون جنيه، غير أن قراءة تركيب هذه الزيادة تُظهر مفارقة لافتة؛ فقد جاءت الحصة الأكبر من جيوب الأفراد والمستهلكين وأصحاب المهن غير التجارية الذين أسهموا وحدهم بما يزيد على نصف الإيرادات الضريبية، بينما لم تتجاوز مساهمة الشركات والنشاط التجاري والصناعي الربع تقريبًا، وهو تفاوت يعكس اعتمادًا متزايدًا على الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والمرتبات بدلًا من الضرائب المفروضة على الأرباح الرأسمالية الكبرى.


الإشكالية هنا لا تكمن في ارتفاع الحصيلة بحد ذاته، بل في طبيعة مصادرها، إذ إن الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة تُحصَّل من الجميع بالنسبة نفسها بغض النظر عن تفاوت الدخول والثروات، ما يجعل العبء النسبي الواقع على محدودي ومتوسطي الدخل أكبر بكثير من غيرهم..

خصوصًا في ظل التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع المستوردة، وهي عوامل ترفع الحصيلة الضريبية تلقائيًا دون أن تعكس بالضرورة نموًا إنتاجيًا أو توسعًا اقتصاديًا حقيقيًا. 

 

وفي المقابل تكشف تقديرات الفاقد الضريبي عن خسائر كبيرة تتحملها الخزانة العامة نتيجة إعفاءات وامتيازات ممنوحة قانونًا لقطاعات وشركات مختلفة، بما في ذلك شركات تعمل في مناطق حرة أو تستفيد من نظم استثمارية تفضيلية تتيح تخفيض العبء الضريبي أو تأجيله، وهو ما يؤدي عمليًا إلى نقل جزء من العبء الضريبي غير المحصل من أرباح الشركات إلى المجتمع ككل.

 

وتزداد المفارقة وضوحًا حين يتبين أن معدل الضريبة على أرباح الشركات في مصر يظل أقل من نظيره في عدد من الاقتصادات النامية فضلًا عن الدول الصناعية، بينما سجلت الضرائب المفروضة على أصحاب المهن والمرتبات معدلات نمو تفوق بكثير نمو الضرائب على أرباح الشركات خلال السنوات الأخيرة..

بما يعني أن الزيادة في الإيرادات لم تأت نتيجة اتساع مساهمة رأس المال بقدر ما جاءت نتيجة إحكام التحصيل من الدخول الثابتة والاستهلاك اليومي. 

 

كما أن التوسع في منح الحوافز الاستثمارية والإعفاءات داخل المناطق الحرة، رغم كلفته الضريبية المرتفعة، لم يثبت بالضرورة قدرته على جذب استثمارات إنتاجية مستدامة أو زيادة الصادرات بصورة تتناسب مع حجم الامتيازات الممنوحة، بل قد يؤدي أحيانًا إلى منافسة غير متكافئة مع الشركات المحلية وتقليص الموارد العامة المتاحة للإنفاق الاجتماعي والتنمية.

 

وفي التجارب الرأسمالية المتقدمة لا تُقاس كفاءة النظام الضريبي بارتفاع الإيرادات فقط، بل بمدى عدالة توزيع العبء الضريبي وفق القدرة على الدفع، حيث تقوم النظم الضريبية هناك على تصاعدية حقيقية تجعل الأرباح الأعلى تتحمل نسبًا أكبر، مع تقليص الإعفاءات الاستثنائية وربطها بنتائج اقتصادية ملموسة، إلى جانب تشديد الرقابة على التهرب الضريبي والملاذات المالية وتعزيز الشفافية في إعلان حجم الإنفاق الضريبي الذي تتحمله الدولة نتيجة الامتيازات الممنوحة. 

 

ومن ثم فإن العدالة الضريبية لا تتحقق عبر زيادة الضرائب على الاستهلاك أو توسيع التحصيل من الفئات المنظمة سهل الوصول إليها، بل عبر توسيع القاعدة الضريبية أفقيًا وعدالة توزيعها رأسيًا بحيث يسهم رأس المال بالنصيب الذي يتناسب مع حجم أرباحه، فلا يشعر المواطن أن ارتفاع الإيرادات العامة يعني بالضرورة ارتفاع ما يدفعه هو وحده.

وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس مقدار ما جمعته الدولة من الضرائب، وإنما طبيعة من تحمّل هذه الزيادة، لأن استدامة أي نظام اقتصادي لا تقوم على تعظيم الجباية بقدر ما تقوم على شعور عام بأن الأعباء موزعة بعدالة، وأن النمو الاقتصادي إن تحقق فإن ثماره ومسؤولياته تُقسم بين المجتمع ورأس المال على السواء، وهو الشرط الذي بدونه تتحول الضرائب من أداة للتنمية إلى مصدر دائم للاحتقان الاجتماعي وفقدان الثقة في جدوى الإصلاح الاقتصادي ذاته.

الجريدة الرسمية