ضبط الأسعار والاستقرار!
في أوقات الأزمات والحروب تتعرض الأسواق لاختبار حقيقي يكشف مدى انضباطها أو هشاشتها، ومع كل توتر إقليمي أو دولي، يتكرر المشهد ذاته في السوق المصري؛ ارتفاع سريع في الأسعار حتى قبل أن تتأثر سلاسل الإمداد فعليًا.
ولذلك يكتسب التوجيه الرئاسي بدراسة تحويل المتلاعبين بالأسعار، استغلالًا لظروف الحرب، إلى محاكمات عسكرية أهمية كبيرة، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن التلاعب بقوت الناس في أوقات الأزمات ليس مجرد مخالفة تجارية، بل اعتداء على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
لكن نجاح هذه الرسالة مرهون بمدى قدرتها على التحول إلى إجراءات عملية على الأرض. فالمشكلة لا تكمن فقط في جشع بعض التجار، بل في وجود اختلالات داخل السوق تسمح بحدوث تفاوت كبير في الأسعار دون مبرر حقيقي.
فكثير من السلع تُباع بأسعار مختلفة في مناطق متقاربة، بل أحيانًا داخل الحي الواحد، وهو ما يشير إلى غياب الانضباط في منظومة التسعير، وترك الأمر في كثير من الأحيان لتقديرات التجار أو توقعاتهم للأرباح.
كما أن جزءًا من موجات الغلاء يرتبط بما يمكن تسميته الارتفاع الاستباقي، حيث يبادر بعض التجار إلى رفع الأسعار فور سماع أخبار عن توترات أو حروب، حتى قبل أن ترتفع تكاليف الاستيراد أو النقل. وفي ظل غياب رقابة كافية أو معلومات واضحة للمستهلكين، يتحول هذا السلوك إلى ظاهرة عامة تدفع الأسعار إلى مستويات لا تعكس التكلفة الحقيقية للسلع.
ومن هنا يظهر الدور الحاسم للأجهزة الرقابية في ضبط الأسواق. فالتوجيهات وحدها لا تكفي إذا لم يصاحبها تحرك فعلي من أجهزة التموين والرقابة التجارية وجهاز حماية المستهلك. غير أن التحدي يكمن في محدودية أعداد مفتشي التموين مقارنة بالانتشار الواسع للأسواق والمحال التجارية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الأجهزة على تغطية الأسواق بكفاءة ومنع التلاعب بالأسعار.
كما يطرح المواطن تساؤلًا آخر لا يقل أهمية: أين دور جهاز حماية المستهلك في هذه المرحلة؟ فوجود جهاز قوي وفاعل لحماية حقوق المستهلكين يعد أحد أهم أدوات ضبط السوق، سواء من خلال استقبال الشكاوى أو متابعة الأسعار أو التدخل ضد الممارسات الاحتكارية.
ولكي تنجح الحكومة في كبح جماح الغلاء، فإن الأمر يحتاج إلى عدة خطوات متكاملة؛ أولها تكثيف الحملات الرقابية في الأسواق بشكل مستمر، بما يخلق حالة من الردع الحقيقي لدى التجار المخالفين. وثانيها زيادة المعروض من السلع عبر المنافذ الحكومية والمعارض والأسواق البديلة، لأن وفرة السلع تقلل من قدرة المحتكرين على التحكم في الأسعار.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في تعزيز الشفافية عبر الإعلان عن الأسعار الاسترشادية للسلع الأساسية، بما يساعد المواطنين على معرفة السعر العادل ويكشف أي مبالغة في التسعير.
في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل التوجيهات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن البسيط الذي يئن تحت وطأة الغلاء. فهل ستتحرك الأجهزة الرقابية بالسرعة والكفاءة المطلوبتين؟ وهل سيتم دعمها بالكوادر والإمكانات اللازمة لمواجهة فوضى الأسعار؟ وهل تستطيع الحكومة فرض قدر أكبر من الانضباط على الأسواق ومنع استغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير مبررة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الأسواق ستشهد مرحلة من الاستقرار والعدالة السعرية، أم ستظل الأزمات فرصة لبعض التجار لمضاعفة أرباحهم على حساب معاناة الفقراء ومحدودي الدخل.. ويبقي علي حكومة الدكتور مدبولي أن تنفذ ما قاله الرئيس.
