أخطر صفقات القرن!
لم تعد صفقات الإعلام العالمية مجرد عمليات اندماج بين شركات إنتاج أو شبكات بث، بل تحولت إلى تحركات استراتيجية تعيد تشكيل موازين النفوذ السياسي والثقافي في العالم، خصوصًا مع اقتراب إتمام واحدة من أخطر صفقات الهيمنة الإعلامية في العصر الحديث..
بعد نجاح شركة Paramount Skydance (باراماونت سكاي دانس للإنتاج الإعلامي والسينمائي)، بقيادة المنتج ورجل الأعمال ديفيد اليسون David Ellison، وبدعم مالي واستراتيجي مباشر من والده الملياردير لاري اليسون Larry Ellison مؤسس شركة Oracle Corporation (أوراكل لتقنيات المعلومات وقواعد البيانات)، في الاستحواذ على مجموعة Warner Bros. Discovery (وارنر براذرز ديسكفري للإنتاج السينمائي والبث الإعلامي)..
وهي واحدة من أكبر التكتلات الإعلامية والترفيهية عالميًا، المالكة لاستوديوهات إنتاج سينمائي وشبكات أخبار ومنصات مشاهدة رقمية يصل تأثيرها إلى مئات الملايين من المتابعين، وفي مقدمتها شبكة CNN (شبكة الأخبار العالمية).
خطورة هذه الصفقة لا ترتبط فقط بضخامتها المالية، بل بطبيعتها المركبة التي تجمع تحت إدارة واحدة أدوات تشكيل الوعي العام كافة؛ من الإعلام الإخباري إلى الصناعة السينمائية، ومن الدراما التلفزيونية إلى المنصات الرقمية للبث عند الطلب..
بما يجعل الإعلام يتحول من ناقلٍ للمعلومات إلى قوة ناعمة قادرة على إعادة تعريف مفاهيم الشرعية والعدالة والضحية والمعتدي داخل العقل الجمعي العالمي. فالعالم لم يعد يُدار فقط عبر التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل عبر القدرة على توجيه الإدراك الإنساني نفسه، أي التحكم في كيفية فهم الأحداث لا الأحداث ذاتها.
لقد أدركت القوى المؤثرة مبكرًا أن السيطرة على الرواية تسبق السيطرة على القرار السياسي؛ فالفيلم السينمائي يصوغ الذاكرة التاريخية، والمسلسل التلفزيوني يعيد تشكيل الصورة الذهنية للشعوب، والنشرة الإخبارية تحدد مواضع التعاطف الإنساني في الأزمات الدولية.
وعندما تتكامل صناعة الخبر مع صناعة الترفيه، تصبح الرسالة السياسية غير مباشرة، تُبث عبر القصص والشخصيات والنماذج الإنسانية المقدَّمة للجمهور، وهو تأثير أعمق بكثير من الخطاب الدعائي المباشر، لأن الرأي العام يتشكل تدريجيًا عبر التكرار الثقافي طويل المدى.
وتتضاعف حساسية هذه الصفقة في توقيتها، إذ تأتي عقب حرب غزة التي أحدثت اهتزازًا واضحًا في الرواية الإسرائيلية داخل المجتمعات الغربية، بعدما كسرت وسائل التواصل الاجتماعي احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية لتفسير الحدث، ودفعت قطاعات واسعة من الشباب الغربي إلى مراجعة الخطاب السياسي والإعلامي الداعم لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو.
وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولة لإعادة ضبط المجال الإعلامي العالمي واستعادة القدرة على توجيه تفسير الصراعات الدولية عبر منظومات إعلامية أكثر تماسكًا وتركيزًا في الملكية والتأثير.
وفي المقابل، تكشف هذه التطورات حجم التحدي الذي يواجه الإعلام العربي؛ إذ يدخل العالم عصر التكتلات الإعلامية العابرة للقارات، بينما لا يزال الخطاب العربي في معظمه أسير التفاعل اللحظي مع الأحداث، يحقق تأثيرًا عاطفيًا مؤقتًا دون أن ينجح في تحويله إلى سردية عالمية مستدامة تخاطب الرأي العام الدولي بلغاته الفكرية والثقافية. فالإعلام لم يعد مجرد نشر خبر أو الدفاع عن موقف سياسي، بل أصبح صناعة متكاملة للوعي والذاكرة والخيال الجمعي.
ومن هنا يفرض الواقع الجديد سؤالًا مصيريًا على صناع الإعلام في العالم العربي: ماذا أنتم فاعلون في زمن تُعاد فيه هندسة الإدراك العالمي عبر تكتلات إعلامية عملاقة؟ وهل ما زال الإعلام يُعامل باعتباره نشاطًا خدميًا أو أداة دعائية، أم باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي الثقافي؟
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك الآخرين لمنصات أوسع انتشارًا، بل في قدرتهم على صياغة القصة التي يصدقها العالم، بينما يظل الآخرون مجرد متلقين داخل رواية لم يشاركوا في كتابتها. ففي عصر الهيمنة الناعمة، قد لا تُحتل الأرض، لكن قد يُحتل المعنى ذاته، ومن يفقد القدرة على رواية قصته يفقد تدريجيًا مكانه في الوعي العالمي والتاريخ معًا.
