الفن وسنينه
نور الشريف: أجهزة الأمن طاردتني أنا وعلي سالم!
رغم العديد من المقالات التي نشرتها عبر بوابة فيتو الغالية في صورة أوراق وذكريات وأسرار فنية وشخصية للفنان العملاق الراحل نور الشريف، الذي ربطتني به علاقة شخصية وإنسانية رائعة ومثالية طوال 25 عاما، إلا أنني ما زلت أجد نفسي مدفوعا دفعا للمزيد من هذه المقالات كلما تذكرت حكاية أو موقف فني أو شخصي خصني بها هذا الفنان العظيم، من نوعية ما سأتناوله في مقال اليوم..
والذي يكشف فيه نور الشريف عن حجم التحديات والمخاطر التي تواجه الفنان الحقيقي صاحب الموقف والرأي والمشروع، والذي صار عملة نادرة جدا بين الأجيال الفنية الحالية للأسف!، والذين أغلبهم يلهث وراء المال والشهرة والترند دون الفن الهادف.
الكاتب في شهر العسل
يحكي لي ولكم الفنان الكبير نور الشريف فيقول:
في أواخر عام 1980.. اتفقت مع الصديق الكاتب المسرحي المشاغب، علي سالم لإنتاج ثلاث مسرحيات قصيرة ذات الفصل الواحد، من تأليفه وبطولتي وإخراجي بحكم دراستي للتمثيل والإخراج بمعهد الفنون المسرحية وإنتاج مشترك بيني وبينه.
وبالفعل بدأنا التحضير لتنفيذ هذا العمل على أساس أنه عرض لجماهير المسرح الحقيقية ولذلك يجب أن يكون سعر تذكرة الدخول في متناول الجميع، فقررنا أن تكون أغلى تذكرة بخمسة جنيهات، وكان هذا سعر التذكرة بالمسرح القومي، ولما كنا أنا وعلي سالم لا نملك مسرحا، فكان لابد لنا من البحث عن مسرح نبدأ على خشبته العروض..
فلم نجد سوى مسرح سيد درويش بالإسكندرية المملوك لوزارة الثقافة، وكانت الوزارة وقتها -وهذا أمر محمود - تؤجر المسارح التابعة لها بسعر رمزي تشجيعا للحركة المسرحية وشباب المسرحيين. والمسرحيات الثلاث بعنوان: الكاتب والشحات- المتفائل- الكاتب في شهر العسل..
اخترت الفنان أحمد بدير ليشاركني في المسرحية الأولى: الكاتب والشحات، والفنانة الصاعدة وقتها سوسن بدر بالمسرحيتين الأخريين: المتفائل والكاتب في شهر العسل، وكنت في نفس الوقت مرتبطا بتصوير مسلسل بتونس الشقيقة العزيزة على قلبي..
فأخذت معي نسخة من نصوص المسرحيات الثلاث، واشتغلت عليها، وفوجئت بانطلاق شائعات كثيرة في الوسط الفني والصحف والمجلات بمصر من بعض الحاقدين والغيرانين والمتربصين عن أننا لن نستطيع تقديم هذه العروض المسرحية في موعدها المحدد سلفا، لأنني سأعود إلى القاهرة قبل هذا الموعد المحدد لافتتاح العروض بعشرة أيام فقط، وهو وقت غير كاف بالمرة!.
يا أغلى اسم في الوجود
بعد عودتي إلى القاهرة من تونس، بدأت على الفور عمل بروفات مكثفة على العرض، وكانت البروفات تستغرق من 10 إلى 12 ساعة يوميا، وكنت قد اتفقت مع الكاتب علي سالم على أن نختم العرض على الأغنية الوطنية الشهيرة: يا أغلى اسم في الوجود، التي شدت بها المطربة اللبنانية العربية الكبيرة نجاح سلام عام 1956..
كلمات الشاعر الرائع إسماعيل الحبروك وألحان الموسيقار العظيم محمد الموجي، وهي الأغنية التي كانت وستظل من أجمل الأغنيات الوطنية والتي يقول مطلعها: يا أغلى اسم في الوجود يا مصر.. يا اسم مكتوب للخلود يا مصر، نعيش لمصر ونموت لمصر.. مصر مصر تحيا مصر.
وعندما طلبنا نسخة من هذه الأغنية من الإذاعة المصرية، فوجئنا بالرفض لأنها أصبحت من الأغنيات غير المرغوب في إذاعتها بعد اتفاقية كامب دافيد!، ولكننا لم نستسلم لهذا الموفق وأصرينا على الحصول على الأغنية بأي شكل وثمن واستخدامها في العرض، فاتصلنا بصديقة إسكندرانية تعمل بإذاعتها، وطلبنا منها الحصول على نسخة من الأغنية ونجحنا بالفعل في ذلك.
مراقبة وتمويه
انتقلنا إلى الإسكندرية عروس البحر المتوسط قبل موعد افتتاح العرض بثلاثة أيام فقط، واضطررنا أن نعمل بروفات على مسرح سيد درويش طوال ساعات اليوم، حتى نلحق بالموعد المحدد دون أن يكون ذلك على حساب المستوى الفني للعرض، وفوجئنا بأن الطقس بالإسكندرية كان بالغ القسوة، أمطار رعدية متواصلة ورياح شديدة..
أما المفاجأة الأكبر والأهم أننا كنا مراقبين، وهنا لابد من التذكير والإشارة إلى أن الكاتب علي سالم كان لديه بعض المسرحيات التي تتعرض بالانتقاد لأجهزة الأمن وأساليبها ومراقبتها للمبدعين، وكانت إحدى مسرحيات العرض وهي الكاتب في شهر العسل، لأبلغ دليل ومثال عن نقد علي سالم لأجهزة الأمن! ففي هذه المسرحية يكتشف جمهور الحضور مع إسدال الستار، أن زوجة الكاتب بطل العرض مرشدة لأجهزة الأمن.
ولإحساسنا بأننا مراقبون بشدة من أجهزة الأمن قررنا التمويه عليها وخداعها بالذهاب إلى ملهى ليلي بعد انتهاء العرض، من الملاهي الليلية الكثيرة المنتشرة على كورنيش الإسكندرية، حيث تناولنا عشاء بسيطا في حدود الميزانية غير الكبيرة..
ويا لها من مفاجأة وقعت لي أنا وعلي سالم، فعند نهاية الفقرات الفنية بالملهى، قام المطرب بغناء أغنية: يا أغلى اسم في الوجود! وسط اندفاع وحماس جنوني من كل الحاضرين.
ما أغرب أن تمنع الإذاعة الرسمية الأغنية وما أجمل أن يغنيها الشعب كل يوم حتى في مثل هذه الأماكن غير المتوقعة.
