برشامة.. القصة وما فيها
لو كان هناك فيلم سينمائي يجسد سماحة الإسلام لن يكون أفضل من فيلم "برشامة"، وإذا كان الفهم العقلاني المستنير للدين أنه معاملة قبل أن يكون عبادات، فلن يقدم عمل درامي معاملة جميلة وراقية لسلوك شاب ريفي مسلم يتكلم ويتصرف بالفطرة والبراءة بأفضل مما يتعامل عبد الحميد أو هشام ماجد.
أولًا: في تمسكه بثوابت الدين وبقيم ومبادئ ومعاملات الإسلام التي ترفض الكذب والغش والخداع والمخدرات والعري.
ثانيًا: في إيثاره الآخرين على نفسه رغم ما تعرض له من تكالب الجميع عليه في اللجنة إلى حد تكتيفه ووضع بلاستر على فمه لأنه لا يريد الغش.
ثالثًا: في عدم نجاح الراقصة باستمالته رغم كل إغراءاتها له.
رابعًا: في تضحيته بمستقبله من أجل أن تنجح الراقصة وكتابة اسمها على ورقة إجابته.
خامسًا: في رفضه تسليم زميلته في لجنة الامتحان "تسليم أهالي" لأخيها الذي كان يريد تزويجها بمن يرفض إكمال تعليمها.
سادسًا: في إصراره على الاعتذار لها عن عبارة "أنا مش ممكن أتجوز واحدة زيك".
سابعًا: في إحساسه بعقدة الذنب التي ظلت تطارده بسبب شعوره بأنه تسبب في وفاة مراقب اللجنة الذي فقد الوعى واسترده قبل نهاية الفيلم رغم عدم صحة هذا الشعور.
ثامنًا: في مراجعة نفسه وقبوله مصافحة الراقصة في نهاية الفيلم لأن الإمام أبو حنيفة قال "تجوز"، بعدما رفض مصافحتها طوال الفيلم لأن الإمام ابن حنبل قال "لاتجوز".
تاسعًا: المرة الوحيدة التي كذب فيها كانت لإنقاذ زملاءه في اللجنة.
عاشرًا: في أنه ليس منغلقًا أو متطرفًا ولم يمارس العنف ولم يؤذي أحدًا طوال الفيلم.
الفيلم يناقش قضية مجتمعية وتعليمية خطيرة ومستحدثة وهي ظاهرة الغش في الامتحانات باستخدام سماعات الأذن المربوطة بالساعات الذكية وباستخدام الميكروفونات والتي انتشرت مؤخرًا، ويعالج هوس الحصول على الشهادة بكل سبل الغش والخداع والاحتيال لأغراض مادية وانتهازية وشخصية بحتة..
وأكبر دليل على انتشارها هو فيديوهات الأطباء الذين يحكون عن تجاربهم المؤلمة مع طالبات محجبات ترددن على عيادتهم بعدما فشلن في استخراج سماعة صغيرة من أذنهن بعد انتهاء الامتحان.
في الفيلم تتحول لجنة الامتحان إلي مرآة مصغرة للمجتمع، الشاب القروي المتدين الذي يدخل امتحان الثانوية للمرة الثانية لتحسين مجموعه رغم حصوله على 92% لكي يحقق حلمه بالالتحاق بكلية الهندسة، وينوي بيع الفدانين اللذين يملكهما لكى يبني مسجدًا.
والسيدة العجوز التي تريد الحصول على شهادة الثانوية لكي يزيد معاشها 760 جنيهًا، وراقصة الكباريه التي يلفظها المجتمع وتريد ألا تشتغل طفلتها الرضيعة نفس مهنتها عندما تكبر.
وابن العمدة القروي العبيط الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة وارتكب أبيه كل الموبقات لكي يمكنه من الغش بالميكروفون عبر سماعة تم تركيبها له في أذنه وربط رأسه بشاش حتى يقنع مراقب اللجنة أنه مصاب في رأسه ولايفكها أحد، وانتهاءً بالتنكيل بمدرس لغة عربية وتعذيبه لرفضه الغش.
والشابة المتفوقة التي تريد إكمال تعليمها رغم أنف أخيها الذي يريد تزويجها لشخص لا يريد لها أن تتعلم. والسجين البلطجي الذي جاءت به الشرطة من محبسه لمقر اللجنة ويتمنى الالتحاق بمسابقة مكتبتي في السجن.
تدور أحداث الفيلم داخل لجنة ثانوية عامة منازل بإحدى قري محافظة الدقهلية، حيث تجمع الصدفة بين الشاب الريفي والراقصة داخل ميكروباص أثناء توجههما لأداء امتحان مادة اللغة العربية، وأثناء قراءة الشاب لأذكار الصباح والمساء تطلب منه الراقصة أن يحمل طفلتها الرضيعة لكي تتمكن من إخراج أدوات مكياجها من شنطة يدها..
لكن الرضيعة تبولت على ملابسه، فطلب من جاره في الكرسي أن يمسك بورقة الأذكار لأنه لم يعد طاهرًا، وظل الشاب المتدين طوال ساعات امتحان اللغة العربية الثلاثة يرفض الإجابة قبل أن يتطهر لأن الامتحان ورد به آيات قرآنية ويرفض الغش ومتمسكًا بأن لا يساهم في غش زملائه.
لا تعنيني مشاهد «الاسكتشات» التي تخرج عن السياق من أجل الضحك، فمن قام بها يمثلون شرائح موجودة بالفعل في المجتمع، وسخرية الدراما من المتدين الذي يريد منع الغش في الثانوية ليست جريمة، ما يعنيني هو أن الفيلم جسد صورة جميلة لشخصية شاب مسلم موجودة في مجتمعنا بكثرة ويتصرف بعفوية وبراءة..
صحيح أن الفيلم أظهره مبالغًا في رفضه أداء امتحان، إذ تجوز قراءة القرآن الكريم لمن أصابه بول طفل، لكن هذه المبالغة لاتسىء للدين في شيىء، بل تظهر تمسكه بالثوابت وهذا ليس عيبًا.
وصحيح أيضًا أن سيناريو الفيلم حمل من وجهة نظري عبارات قد تحتمل أكثر من معنى وقد تثير بعض الجدل، لكنها تعكس معان يرددها الكثيرون، منها مثلًا "مانا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وهو ده التحدي، مانا غشيت قبل كده وما اتحرقتش ردا على عبارة الشاب المتدين عبد الحميد اللي بيغش بيدخل النار، مش عارف ليه الإصرار إننا هندخل النار.. هيدوك بونص؟، قسما بالله لو الجنة كده لأخد جهنم بالحضن، ما إحنا هنتوب في الآخر، أنا ياما غلطت وتوبت واتقبلت تاني يوم.
لكن كلمات الشاب المتدين عبد الحميد لاتسيىء للدين في شيىء ومنها: مش هقرب من كلام ربنا إلا لو طاهر، مش خايفين من اليوم اللي هتقابلو فيه ربنا، انتم لو دخلتم مسابقة فسق تاخدوا المركز الأول، أنتم لا ذمة ولا دين ولا مذاكرة، مافيش ستات يلمسوني، ابن حنبل قال لايجوز، والله لأشهد عليكم يوم القيامة، ما ينفعش تحلف في الحمام هتتلبس وهتتسخط، حتى الطاهرة اللي فيكم عايزين تلطوها، المدرسة دي كلها مافيهاش واحد شريف.
المخرج والسيناريست خالد دياب وشقيقته المؤلفة والسيناريست شيرين دياب يواصلان تألقهما وإبداعهما في الكتابة والإخراج بعد مسلسل "أشغال شقة" الناجح بالتعاون مع هشام ماجد ومصطفي غريب، ويثبتان بهذا الفيلم الكوميدي العبقري أنهما من أفضل كتاب الدراما الكوميدية الواقعية التي تتلامس مع العصر الذي نعيشه، وتعالج مشاكل مجتمعية مستحدثة ومنها الغش بالسماعات والميكروفونات..
وتمكين أشخاص لايجيدون القراءة والكتابة من الحصول على شهادات، غير أنهما وقعا في خطأين فادحين وهما دخول العمدة إلى المسجد حيث كانت تقام صلاة الظهر الساعة 12، ليستخدم الميكروفون في تغشيش ابنه، بينما كان الامتحان نفسه بين التاسعة والثانية عشر، أي أنه كان قد انتهي.
الخطأ الثاني أن هشام ماجد كتب اسم الراقصة على ورقة إجابته وسلمها لها لكي يضمن نجاحها قبل تسليم الإجابات للمراقب، بينما هى كانت قد كتبت اسمها على ورقة إجابتها بما يعني أن هناك ورقتى إجابة للراقصة.
أخيرًا: فيلم «برشامة» واحد من أفضل الأفلام الكوميدية التي تعالج قضايا مجتمعية حقيقية ملموسة في إطار ساخر، وأزمته مع التيارات المحافظة لن تكون الأخيرة، ولن تنتهي الأزمة عند اعتراض حزب النور وبيانات اتحاد النقابات الفنية ورئيس اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين، فالسينما والدراما المصرية لن تتوقف عن تجسيد الواقع وفتح نوافذ الإبداع على مصراعيه.
