رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية العدادات.. الجباية وما فيها

18 حجم الخط

لا يوجد في العالم حكومة تعاقب مخالفي البناء بأغرب مما فعلته حكومتنا وبطريقتها المفضلة، وهي الجباية وتقليب جيوبهم والتنكيد عليهم في الصيف وشوائهم في الحر ولسعهم بنار فاتورة الكهرباء الجنونية، بحيث لا يستطيعون تشغيل التكييفات أو حتى المراوح، فقط يضيئون عددًا من اللمبات ليلًا.

 

الأغرب أن يخرج رئيس الحكومة ليعلن أن الإجراء القانوني الصحيح الذي كان يجب اتباعه مع هؤلاء هو إزالة العقار المخالف، لكن الدولة راعت البعد الاجتماعي وقدمت حلًا مؤقتًا من خلال العدادات الكودية لحين الانتهاء من إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع، وأن استمرار الوضع يمنح الدولة الحق في تحصيل مستحقاتها كاملة دون استفادة المخالف من أوجه الدعم المختلفة.

 

رئيس الحكومة يلوح للمخالفين بورقة الهدم والإزالة ليشعروا أن عقاب العداد الكودي أهون بكثير، لكنني أتوقف عند عبارته "الاستفادة من أوجه الدعم المختلفة"، وأذكٍر سيادته بأن الدولة تحاسب المواطنين اليوم بالسعر العالمي للكهرباء بعد قرارت رفع متتالية للاستهلاك المنزلي والتجاري وصلت إلى 7 مرات منذ أول تعويم للجنيه في نوفمبر 2016 ضمن خطة رفع الدعم التدريجي التي بدأت في 2014، وتحولت هذه الزيادات إلى إجراء شبه سنوي.

 

منذ أول أبريل الماضي تحولت منصات التواصل الاجتماعي على امتداد صفحاتها إلى مراثي وبكائيات وشكاوى وتظلمات من العدادات الكودية وصارت الكلمة "تريند".

الحقيقة أنه لم يحدث في تاريخ قوانين مصر أن تم إدخال تعديلات على قانون مثلما تم في قانون التصالح بمخالفات البناء، وكذلك يظل هو أطول القوانين المؤقتة عمرًا، والسبب أنه صدر لكي تحقق الحكومة منه حصيلة مادية، لكن هذه الحصيلة لم تتحقق حتى اليوم ولو بنسبة 50%، ومن هنا أستطيع أن أتفهم دوافع الحكومة في معاقبة الممتنعين عن سداد كامل الرسوم المفروضة عليهم. 

 
فهى رفعت شعار "نفع واستنفع".. لكن ما حدث –وهذا هو الأهم في القضية- أنها قررت سريان مبدأ الجباية على غير المخالفين أيضًا، وبطريقة اصطياد كل من يذهب اليها بقدميه لقضاء أي مصلحة سواء كهرباء أو غاز أو مياه وخلافه.

 

المشكلة لم تعد تتعلق فقط بالمواطنين الممتنعين عن دفع رسوم التصالح في مخالفات البناء، لكنها تجاوزتهم إلى من ليس لهم علاقة بالمخالفات في الأصل.

 

فجأة أصبحت كثير من عمارات مصر مخالفة، وتفاجأ وأنت عايش في أمان الله بمصيبة أخرى حلت على دماغك لم تكن على البال ولا على الخاطر وهى أنك مطالب بسداد رسوم تصالح تتراوح بين 25 و35 ألف جنيه..

وعندما تسأل في الحى الذي تتبعه عن سبب هذه الرسوم يقولون لك لأن العمارة فيها دور مخالف أو أن الجراج غير مطابق للتصميمات أو أن بها زيادة عدة ملليمترات أو سنتيمترات في المناور أو البروز أو البلكونات أو أي شيىء، ما ذنب الساكن في دور غير مخالف فيما ارتكبه المقاول من مخالفات لاتخص شقته؟ 

سيقولون لك: كل السكان سيتشاركون في الدفع بشعار "السيئة تعم والحسنة تخص"، المهم أنها تخترع لك مخالفة لتقليب جيوبك حتى أصبح الناس ينصحون بعضهم "لاتذهب للجحيم برجليك".

 

أبسط مثال في منطقة هضبة الهرم التي اعتبرتها الحكومة مخالفة بالكامل لأنها منطقة أثرية، وبالتالي كل سكانها مخالفون ويخضعون لقانون التصالح، استيقظت الحكومة فجأة لتجد 1550 عمارة تم بنائها في غفلة منها، منطق غريب وعجيب، ورغم أن قانون التصالح صادر منذ 7 سنوات، إلا أنه لا توجد عمارة واحدة فيها نجحت في عمل مصالحة نهائية.

 

وما يسري على هضبة الأهرام يسري على أحياء بالكامل، تقع ضمن ولاية المجلس الأعلى للآثار وتمتد في كل أنحاء مصر وتواجه صعوبات في التصالح.

لا أناقش إشكالية تقاعس المحليات في مواجهة مخالفات المقاولين الذين قاموا بالبناء المخالف، فتلك مصيبة أخرى، الدولة تركت أصل المصيبة وهم حيتان وأباطرة المقاولين الذين ربحوا الملايين بعدما شيدوا العمارات تلو العمارات بأدوارها الزائدة وبروزاتها بالمخالفة للقانون.

وأتصور أن هذا هو جوهر المشكلة، وعليها تصحيح الوضع ومعاقبة الجاني الأصلي بدلًا من "تلبيس العمة" للمشتري الغلبان الذي دفع دم قلبه في شقة العمر.

الجريدة الرسمية