حدث في المقهى
أثناء جلوسي في أحد المقاهي بمنطقة الهرم قبل أيام، دخل الرجل الستيني ممسكًا في يده بكيس من الفول المدمس يبدو أنه اشتراه من أحد المطاعم وطبق من النوع الذي يستخدم في الوجبات الجاهزة ويسمى "فٍل" بكسر الفاء، وخمسة أرغفة من حجم الكايزر الصغير الذي لا يسمن أكله ولا يغني من جوع، ويباع اليوم بسعر جنيهين ونصف، و"تلقيمة" شاي وسكر في كيس شفاف صغير آخر، وجلس في مرمي بصري.
ملابس الرجل وهيئته تدلان على أنه ينتمي للطبقة التي كانت تسمى متوسطة، أفرغ الرجل ثلث كمية الفول في الطبق وأخذ يتناوله بالخبز، كان يفعل ذلك في سكينة وهدوء وراحة بال، غير أن وجهه بدا فجأة ممتعضًا بسبب أن يديه أصبحت مملوءة بالزيت بينما هو لا يملك مناديل ورقية لمسحها، أخذ يفرغ الثلث الثاني والثالث من الفول في الطبق.
وما أن انتهى من الأكل حتى مد يده ليعطي عامل المقهى -أو ربما مؤجره أو مالكه لا أعلم- كيس صغير بداخله تلقيمة شاي وسكر واستسمحه وترجاه برقي وتحضر وصوت خفيض أن يجهز له كوب شاي، غير أن شهامة المصريين دفعت عامل المقهى –وقد استشعر أن ظروف الرجل المادية لاتسمح له بدفع ثمنه- لأن يعيد له الكيس بكل أدب ويقول له "الشاي علينا ياعم الحاج.. ولا يهمك.. الناس لبعضيها".
أخذ الرجل الستيني وعامل المقهي يتبادلان الدعاء لبعضهما: ربنا يبارك لك يا إبني.. ربنا يعطيك الصحة ياعم الحاج، وبعد أن تناول الرجل شاي المقهى انصرف في هدوء وكبرياء دون أن يعبأ بعيوني وعيون آخرين في المقهي راقبت المشهد المؤثر منذ بدايته.
هذا الموقف الإنساني على بساطته، يكشف أولًا عن روح التكافل بين المصريين وشهامة أولاد البلد التي تظهر عندما يشعرون بصدق المتعففين عن السؤال وبنبل من لا يريقون ماء وجههم.
وثانيًا عن حالة البساطة والتقشف التي يعيشها كثير من الناس المستورين وتجسدت فيما فعله الرجل، وجبة واحدة تسد الجوع بالحد الأدني للتكلفة، لم يتناول هذا الرجل أقراص طعمية أو طبق سلاطة أو تشكيلة مخللات أو زجاجة مياه معدنية مثلًا بجانب كيس الفول، وستندهش إذا حدثتك عن سعر كل واحد منهم الآن بعدما وصلت إلى أرقام غريبة.
غير أن الحد الأدني للتكلفة والتي تجسدت فيما فعله الرجل باتت هى الأخرى عبئًا على صاحبها، لو افترضنا أنه اشتري كيس الفول جاهزًا ومحوجًا من المطعم بـ 15 جنيهًا كحد أدنى والـ 5 أرغفة ذات الحجم الصغير بـ 15 جنيها تقريبًا ثم كوب شاي في المقهى سعره 15 جنيها لم يدفعها.. أي أن تكلفة أدني وأبسط وجبة في مصر الآن لاتقل عن 45 جنيهًا.
ولو افترضنا أسرة من 5 أفراد ستعيش حالة تقشف، ولا تتناول سوى الفول في الإفطار والغداء والعشاء، أى 45 في 5 أفراد 225 جنيهًا يوميًا، أي 6750 جنيه شهريًا وهو الحد الأدني للرواتب حاليًا لكي تعيش على الفول والخبز فقط بلا لحوم أو دجاج أو أسماك..
ولو وضعنا 5 بنود إنفاق أساسية أخري مثلها للدروس والعلاج والدواء والمواصلات وفواتير الكهرباء والمياه والغاز والموبايلات بخلاف البنود الأخري وما أكثرها، فإن الأسرة ستحتاج 35 ألف جنيه لتعيش حد الكفاف.. كان الله في عون الناس.
*كشفت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن قرار الحكومة بالإغلاق الإلزامي للمحال والمراكز التجارية والمقاهي في 9 مساءً، الذي طُبق أواخر مارس الماضي وعُلق العمل به في 27 أبريل 2026، أدى إلى تباطؤ اقتصادي بالمناطق التجارية، مقابل وفر محدود في استهلاك الطاقة لم يتجاوز 0.5% فقط من إجمالي الاستهلاك على مستوى البلاد.
خبر منشور أمس، ولا تعليق سوي أنني واثق من أن ما انطبق على الإغلاق ينطبق على التوقيت المسمى بـ "الصيفي".
