آفة صحافتنا
إحدى آفات الصحافة المصرية أنها تحولت إلى أداة ومنصة دعائية وترويجية للوزراء والمسئولين، ولم تعد مصدرًا للمعلومات التي لا يستطيع القارئ الوصول إليها، وبالتبعية تحول ولاء الصحفي إلى الجهة التي يتولي متابعة أخبارها على حساب ولائه لصحيفته، صار ناقلا لما يريد المسئول أن يقوله، لا يستطيع أن يجري أي تعديل على كلامه.
أصبحت الصحافة -بعضها وليس كلها ولا أقصد التعميم هنا، فهناك أقلية مازالت قابضة على الثوابت والتقاليد المهنية، بل أتحدث عن الغالبية- تنشر ما يريده المسئول وليس ما يتحصل عليه الصحفي من حقائق ومعلومات، ولذلك تحول المنتَج الصحفي إلى ما يشبه نشرات الحائط واستعراض لعضلات المسئولين فيما هو من صميم مسئولياتهم، حتى أصبح ذهاب الوزير لوزارته خبرًا.
للأسف، أصبح الخبر السار للناس في مفهوم من يكتبون عناوين الصحافة الآن، أن ينخفض سعر الطماطم خمسة جنيهات أو يتراجع سعر حزمة الجرجير جنيهًا أو الفراخ البانيه 10 جنيهات.
والنتيجة أننا صرنا نري زملاء يخجلون أمام الناس من الإفصاح عن هويتهم كأبناء للمهنة التي كانت يومًا سلطة رابعة، وضاعت هيبتها بعد أن كنا نتفاخر بها ونلقى التقدير والإجلال من أجهزة الدولة.
خلت الحوارات مع المسئولين من المواجهات بالمعنى الذي كنا نعرفه، ومن أسف أنك لا تجد عنوانًا معلوماتيًا واحدًا في الحوارات المنشورة على كثرتها، وإنما تجميل وجه المسئول واستعراض لأنشطته اليومية التي يفترض أن تكون جزءًا أساسيًا من وظيفته التي يتقاضى عنها راتبًا، حتى صار بعض الزملاء المحاورين يخجلون من توجيه أسئلة تحرج المسئول، أو تكشف الحقيقة أو الإهمال أو التقصير مثلا.
من العجب أنني أتصفح مواقع هذه الأيام على كثرتها، دون أن أجد فيها خبرًا واحدًا بالمفهوم الصحفي، فقط خلطة غريبة من أخبار الطقس وأسعار السلع والدولار والذهب والأبراج ومواعيد المباريات والبرامج والنصائح الطبية والتغذية وأحداث حلقات المسلسلات وخلافه.
في صحافة هذا الزمان كثرت عناوين لم نسمع عنها من قبل من نوعية "تحت رعاية فلان" ومتابعة فلان الفلاني، صرنا نري الأخبار تبدأ بـ شهد المسئول الفلاني الحدث الفلاني، وللأسف يحدث ذلك لأن الصحفي صار متلقيًا ووسيطًا و"بوسطجيًا" فقط، يرسل الخبر كما تلقاه من المسئول إلى صحيفته دون أن يملك حق إعادة صياغته بالطريقة التي تعلمناها في الصحافة عبر تاريخها، وهي أن تبدأ الخبر والمقدمة بأهم وأقوي معلومة، صرنا نري أخبارًا مملوءة بالحشو والعبارات الإنشائية البروتوكولية التي تروج للمسئول ولا تهتم بحق القارىء في المعرفة.
لكن هذا لايمنع من الإقرار بوجود عدد قليل من كتاب الأعمدة يعبرون عن ما يجول بخاطر الناس من أوجاع وينقلون معاناتهم.
كانت الصحافة في الماضي تقدس اللغة العربية والنحو والبلاغة، وكان الخطأ اللغوي إذا وقع في كلمة واحدة مطبوعة بمثابة كارثة مهنية، بل إذا ارتكب زميلًا خطأً نحويًا شعر بالخجل، اليوم صار إجادة قواعد اللغة "موضة قديمة"، بل يتم سحق اللغة العربية في العناوين والمتن بالأقدام واستبدالها باللغة العامية كما ينطق بها الناس، وهو ما يعني هدم أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها المهنة وهى اللغة الرصينة الفصيحة.
من عجب أنني أتصفح كثير من المواقع الإخبارية دون أن أجد خبرًا أو تقريرًا أو تحليلًا يحترم عقل القارىء وحقه في المعرفة، وللأسف تقع أحداث كثيرة يتم تجاهلها أو بعبارة أخري تكون هناك مخاوف من اتخاذ زمام المبادرة بالنشر، وتكون النتيجة انصراف الناس لمتابعة الصحف والقنوات الأجنبية كمصدر للوصول لمعلومات عنها.
أصبح كل ما هو منشور يروج للتفاهة والتسطيح، ولا نقرأ إلا الأخبار البديهية التي لم تعرفها الصحافة المصرية عبر تاريخها، من نوعية اعرف موعد صرف رواتب ومعاشات يونيو، رغم أن الموعد معروف مسبقًا، اعرف القنوات الناقلة للماتش الفلاني، مع إنها معروفة مسبقا..
وأخبار توعوية ونصائح من نوعية مثلًا كيف تتجنب الوقوع في فخ مخالفات الرادار، وكيف تتجنب الإصابة بنزلات البرد، اعرف مواعيد عمل المصلحة الحكومية الفلانية، اعرف عدد أيام الأجازات في العام الجديد، وغيرها من أخبار الطقس والأدعية الدينية والصحة والأطعمة، وبعضها أقرب لنشرات الحائط في الوزارات والجهات الحكومية.
صارت أخبار الكورة والفنانين والنصائح والبديهيات والمادة الأرشيفية المجمعة تمثل 80% من المنتج الخبري لمعظم المواقع الإخبارية.
الصحافة هى مرآة الحرية في أي مجتمع، وطالما ظلت النوافذ موصدة، لن تقوم لها قائمة ولن تنهض من كبواتها، ولن يقبل أحد على قراءتها، ولن تعود أرقام التوزيع المليونية كما كانت منذ عقود مضت، إلا عندما يشعر الناس أنها تعبر بالفعل عن همومهم وتطلعاتهم، لا نشرات دعائية للمسئولين وتجميل وجه الحكومة.
في مطلع الألفية عملت في صحافة إحدي الدول الخليجية، كنت أندهش من تكبد الصحفيين فيها مشقة الذهاب لتغطية حدث ما، ثم يعودون للجريدة حاملين معهم فلاشة أو سي دي (إسطوانة دائرية مدمجة) عليها مادة الحدث الصحفي مكتوبًا ومصاغًا من وجهة نظر الجهة المسئولة، ثم يسلمونها للديسك أو إعادة الصياغة ويطلبون نشرها كما هي دون أي تدخل أو إضافة من أحد..
ساعتها كنت أندهش وأسأل نفسي: ما هذه الصحافة، وما هو دور الصحفي سوى أنه حمل الفلاشة أو الـ "سي دي" وجاء بها للجريدة بعدما أعدت الجهة المنظمة حفل استقبال للصحفيين والإعلاميين بما ما لذ وطاب من أطعمة بل وربما هدايا.
كان الزملاء في تلك الدولة يحسدوننا على مساحة حرية النقد والتعبير المتاحة في صحافتنا المصرية. اندهشت وقتها أيضا من طلب إحدى الجهات استبدال صحفي مسئول عن تغطية أخبارها بصحفي آخر، لأنه -من وجهة نظرها- يقوم بتغيير صياغة الأخبار التي يتسلمها، -ومن وجهة نظري- هو يمارس دوره المهني بالاجتهاد والإبداع وإضافة معلومات تحترم عقلية القارىء ويتحرر من قالب "البوسطجي" الذي يراد له أن يقوم به.
ما كنت أندهش منه في صحافة إحدى الدول قبل 20 عامًا، يحدث بحذافيره الآن في مصر، لكنه لم يعد يثير دهشتي.
اليوم نراجع ما نكتبه مليون مرة خوفًا من الوقوع في المحظور، محاذير الكتابة صارت كثيرة بحيث تفكر ألف مرة قبل أن يخط قلمك ما تكتبه، المخاوف من تأويل المقاصد والمعاني صارت كبيرة، الهروب إلى مناطق غير شائكة هو المستقر، صار كل واحد منا رقيب على نفسه وقلمه.
وبالرغم من كل هذا الواقع لحال صحافتنا في اليوم العالمي لحرية مهنتنا، مازال هناك أمل في تصحيح المسار وعودة الهيبة وأرقام التوزيع المليونية، فالصحافة قد تمرض ولكنها لا تموت أبدًا.

