المبيت بالمزدلفة.. منسك وشعيرة
عزيزي القارئ ما زال الحديث عن مناسك وشعائر الحج، وحديثنا اليوم عن المبيت بالمزدلفة ولماذا سميت بهذا الاسم وما حكم المبيت فيها؟ وما فضائلها؟ أولا: حكم المبيت بالمزدلفة حكم الوجوب فهو واجب على كل حاج، ومن تركه ولم يبت بها وجب عليه دمًا ذبح شاه وتوزيعها على فقراء مكة المكرمة، والمزدلفة من المشاعر المقدسة التي يمر بها الحاج عند قدومه إلى منى لرمي الجمرات.
وسُمِّيت بمزدلفة من التَّزلُّف والازدلاف، وهو التقرُّب؛ لأن الحُجَّاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: مضوا إليها وتقرَّبوا منها، وقيل: سُمِّيت بذلك لمجيء الناس إليها في زُلف من الليل، أي: ساعات منه، وتُسَمَّى أيضًا جَمْعًا؛ لاجتماع الناس بها، أو للجَمْع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها..
وتُسَمَّى أيضًا المَشْعَر الحرام، من الشِّعار وهو العلامة؛ لأنه مَعْلَمٌ للحج، وارتبط به بعض ما هو مطلوب في الحج؛ كالمبيت، والجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، ووُصِف بالحرام؛ لحُرْمَته؛ ولأنه واقع ضِمْن حدود الحرم.
ولشرفها ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾.
والمبيت بمزدلفة ليلة العاشر من ذي الحجة واجب من واجبات الحج، فعن جابرِ بنِ عبد اللهِ -رضي الله عنهما- في صفة حَجِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ولم يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شيئًا، ثُمَّ إضْجعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حتى أتى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قبل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ).
هذا وأما عن فضائل المزدلفة فهي كثيرة.. منها ما رواه سيدنا بِلاَلِ بنِ رَبَاحٍ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ: (يَا بِلاَلُ، أَسْكِتِ النَّاسَ) أو: (أَنْصِتِ النَّاسَ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ ' أي تكرم وتفضل وأنعم عليكم ' في جَمْعِكُمْ هَذا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ)..
وفي رواية أخرى قال: (مَعَاشِرَ النَّاسِ! أَتَانِي جِبْرَائِيْلُ -عليه السلام- آنِفًا، فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلاَمَ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَأَهْلِ المَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ).. عزيزي القارئ ماذا عن قصة رمي الجمرات؟ هذا ما سوف نتحدث عنه بمشيئة الله تعالى في مقال تالي.

