قصة الأمس.. تتجدد اليوم
الناس في عشقهم للدراما مذاهب، وقصة الأمس واحد من المسلسلات التي تأسرني وتجذبني وتشدني منذ عرضه أول مرة في رمضان 2008، كنت وقتها أعمل في الإمارات بصحيفة الخليج، وكان يراودنا شغف الحنين وحلم العودة لمصر بسبب الضغوط العصبية الكبيرة التي كنا نتعرض لها يوميًا في العمل.
كانت أهم رسائل المسلسل أن خسائر الغربة الاجتماعية والأسرية والنفسية أكبر بكثير من مكاسبها المادية، وأن المغترب عليه أن يقرر فورًا التضحية والعودة إلى وطنه في نفس اللحظة التي يدرك ويكتشف فيها أن استمراره في الغربة يتعارض مع استقراره الأسري والعائلي..
وأن الزوجة لا يجب أن تتعامل مع زوجها المغترب باعتباره حصالة أو ممول مطلوب منه أن يستمر ويعمر طويلا بالخارج حتى يتحقق كامل حلمها ببناء الفيللا وشراء الشالية واقتناء أحدث موديلات السيارات، وأن عليها أن لا تتركه وحيدًا ليصبح فريسة للإغراءات والنزوات والسقطات.
جذبني للمسلسل وقتها أيضًا أنه يناقش قضية تستغرقني وأهتم بها وهى حيرة الأبناء بين أبويهم المنفصلين، وأن هذا الانفصال غالبًا ماينتج عنه آثار نفسية سيئة عليهم تجعلهم غير أسوياء.
ما دفعني للكتابة عنه بعد مرور 18 عامًا على عرضه لأول مرة، أن قناة النيل للدراما كانت تعرضه هذه الأيام، فوجدت نفسي كمن عثر على كنز مشدودًا لمتابعة حلقاته وكأني أشاهدها لأول مرة، بل أنتظرها بفارغ الصبر.
أحب في قصة الأمس لغة شخوصة الراقية المليئة بالبعد الإنساني، وتأسرني الموسيقى التصويرية الرائعة لخالد جودة الذي ينتمي لنفس مدرسة الموسيقار الرائع ياسر عبد الرحمن، وتجتر ألحانه الدموع من عيني في كثير من المشاهد وتشدني وتأخذني لحنين أيام الغربة، ويطربني صوت الرائعة حنان ماضي العذب.
أحد أسباب تعلقي بهذا المسلسل هو رقي الحوار فيه، حيث يحرك مشاعرك ويأخذك إلى منطقة إنسانية وأخلاقية سامية ومتسامحة عندما يتعلق الأمر بانفصال شخصين بينهما أطفال، وبالذات عندما كان يتكلم الفنان القدير أحمد خليل ومصطفى فهمي ونبيل نور الدين، ربما كانت لغة الثلاثة تتوافق مع شخصيتي وتفكيري وقناعاتي ومبادئي إلى حد التوحد.
أحببت في مصطفي فهمي كبرياءه، وفي أحمد خليل عقلانيته وواقعيته وإنسانيته، وفي نبيل نور الدين تحضره وموضوعيته، وفي ميرنا وليد عنادها وإصرارها على حقها في الزواج رسميًا بالرجل الذي تحبه، وفي إلهام شاهين ثأرها لكرامتها كامرأة ورفضها لفكرة العودة لزوج أخل بشروط الارتباط المقدس بينهما.
تعاطفت كرجل مع مصطفي فهمي والتمست العذر لإلهام شاهين في موقفها المتشدد برفضها العودة لزوجها الذي تزوج مؤقتا بغيرها وهو في الغربة رغم كل محاولاته، وإن كنت لاأتفق معها في موقفها بإبعاد أولادها عن أبيهم ومحاولتها أن تستأثر بهما منفردة وتبعدهما عن والدهما، وعدم فصلها بين موقفها من أبيهم وحق أبيهم فيهم، رافعة شعار "إما أن تكونا معي فتكونا أولادي وإما أن تكونا مع أبيكم فتكونا أعدائي".
مسلسل بهذه الروعة ونسب المشاهدة المرتفعة، لا توجد أرقام عن تكلفة إنتاجه، لكن المؤكد أنها كانت بسيطة ولا تزيد عن تكلفة أجور الفنانين، وقيل وقتها أن إلهام شاهين تقاضت 2 مليون جنيه كأجر لها في المسلسل، وهو مبلغ كبير بأسعار 18 سنة مضت، في وقت تجاوزت فيه ميزانية إنتاج بعض المسلسلات الآن 750 مليون جنيه..
ورغم هذه التكلفة تنصرف عنها من أول مشهد بسبب الحوار وتعبيرات وجه الممثلين التي تبالغ في إظهار الجبروت والفتونة، وكأن مسلسلات هذه الأيام لا تعرف من الدراما غير القوة والصوت العالي والتخويف وتعبيرات الوجه المفتعلة المبالغ فيها.
الليل وآخره، من المسلسلات التي أعشقها أيضا، وتصادف أن يكون مؤلف العملين هو الكاتب القدير محمد جلال عبد القوي، صاحب الـ 40 عملًا إبداعيًا رائعا، أشهرها المال والبنون وسوق العصر والرجل والحصان وحضرة المتهم أبي وعلي باب مصر وشرف فتح الباب والهروب إلي السجن وهالة والدراويش.
تقول كلمات التتر للشاعر خميس عز العرب: الحلم بان فتح بيبان الناس، آه من حلاوته وقسوته وطيشه، فىه ناس بتحلم بالذهب والماس، وناس يدوبك يحلمو يعيشو، الدنيا بتجمل فى عنينا خطاوينا، نتعب ونتحمل ونقول ده بأيدينا، مين اللى غيرنا اختار، وشاف الجنه نار، أقدار دى ولا قرار، وده ذنب مين فينا، بنحب ونعادى، ونحط ونسافر، ونرق وندادى، ونزق ونعافر، في كل مينا نفوت، أجمل ما فينا يموت، نصرخ بعلو الصوت، إن الفراق كافر.
قصة الأمس، هى قصة اليوم وغدًا وتناقش إشكالية الغربة والمال وتفكك الأسر، ورسالة المسلسل الواضحة والمهمة التي يرغب العبقري القدير محمد جلال عبد القوي في توصيلها، أن التسامح يجب أن يكون شعار التعامل بين أي زوجين منفصلين بينهما أولاد، يجب أن يجنبا خلافاتهما عن أولادهما وأن يحتفظا بعلاقة متساوية معهم.
