رئيس التحرير
عصام كامل

الإغلاق وأيامه الـ 14

18 حجم الخط

لا وجه للمقارنة بين مصر وبعض الدول الأوروبية في مسألة الإغلاق المبكر، فلكل بلد خصوصية، والمقارنة يجب أن تكون في كل شيء، منها الدخل ومستوى المعيشة أيضًا، كما أن مصر وعلى مر تاريخها معروفة بأن شوارعها لا تنام، وهذه هي عبقريتها التي تميزها، ولذلك هي قبلة للسياحة من جانب الأوروبيين وكذلك الأخوة الخليجيين الذين يجدون في لياليها وحراك شوارعها ما لا يجدونه في بلدانهم.


كذلك لا يمكن مقارنة الأضرار المادية والنفسية والاجتماعية التي لحقت بملايين المصريين جراء 14 يومًا من الإغلاق والإظلام في التاسعة مساء، بأي مبلغ يمكن أن توفره الحكومة جراء هذا الغلق، وهي هزيلة جدًا وفق التصريحات الرسمية ( 20 مليون جنيه يوميًا).
 

كم عامل في الورديات الليلية للمحلات انخفض دخله أو انعدم؟ كم جريمة ارتكبت وكم حادث مروري وقع في مصر؟ كم كاميرا في الشوارع عجزت عن تصوير جرائم بعد التاسعة مساء بسبب الإظلام؟ كم فتاة وسيدة مصرية شعرت بالخوف والرعب أثناء سيرها؟ ما حجم الخسائر في مبيعات التجزئة؟ والأهم والأخطر: ما حجم الزيادة السكانية التي لن تظهر الآن ولكن بعد 9 شهور؟ كم خسر قطاع السياحة خلال الـ 14 يومًا؟
 

وبالطبع الرفض المجتمعي للإغلاق حتى التاسعة يسري أيضًا على الإغلاق حتى الحادية عشر، وإن قل الضرر والخسائر.. أتمني كما يتمنى المصريون جميعًا إلغاء أي قرار يتعلق بإظلام الشوارع وإغلاق الحياة ليلًا.

    
بمناسبة أيام الإغلاق، كنت أجلس على مقهى يعرض مباراة في الدوري المصري، وكانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً، وسمعت حوارًا بين شخصين جالسين. قال أحدهم معترضًا: هما ليه بيضلموا البلد وسايبين كل الإضاءة دي في الاستاد وماتشات الكورة.. رد الثاني: علشان الدوري.

فقال: أي دوري هذا الذي تحولت مدرجاته إلي أشباح وبلا جمهور، ما يلغوه أو يلعبوا الماتشات بالنهار ويوفروا هذه الكهرباء؟
 

بمناسبة الإغلاق أيضًا، كثير من المقاهي رفعت أسعار كل شيء بنسب تصل إلى 20% لتعويض خسائرها الكثيرة بسببه.

 

 * يوم الخميس الماضي قررت الحكومة مد أجل التصالح في مخالفات البناء 6 أشهر إضافية تبدأ من 5 مايو 2026، وعلى عكس بيانها الذي أكدت فيه حرصها على إنهاء هذا ملف مخالفات البناء في أسرع وقت، فإنها تبدو غير راغبة في إنهائه باعتباره بقرة حلوب تمارس من خلاله الجباية وتريد لهذه البقرة أن تعيش إلى الأبد.


ويبدو أن الدكتور مصطفى مدبولي لا ينسى طبيعته كوزير إسكان سابق فتتحكم هذه الطبيعة في قراراته فيما يتعلق بهذا الملف، فللمرة الـ 14 يقرر مد المهلة لتستمر سنوات أخرى قادمة.

ويعتبر قانون التصالح في مخالفات البناء ثاني أطول القوانين عمرًا في تاريخ مصر بعد قانون الإيجارات القديم، صدر قبل أكثر من 7 سنوات بصفة مؤقتة، لكن يبدو أنه سيكتب له البقاء والدوام إلى مالا نهاية.


وكما أوضحت في مقال سابق، لا تعرف الحكومة أنها بتمديد المهلة كل ستة أشهر تمنح فرصة ذهبية لأصحاب النفوس الضعيفة من المقاولين لممارسة هوايتهم في البناء المخالف، أعرف أصحاب عمارات وأراضٍ في المنطقة التي أسكن فيها يستغلون هذا المد في ارتكاب مخالفات ببناء أدوار إضافية في الخفاء وبسرعة قبل اكتشاف المخالفة، ثم يقدمون على طلب للتصالح، وهكذا أصبح البناء المخالف في مصر عرضا مستمرا.
 

يحدث هذا المد لقانون التصالح الذي لا يبدو له نهاية، في نفس الوقت الذي لم تضف فيه الحكومة مترًا واحدًا للأحوزة العمرانية منذ عام 2008 لاستيعاب التمدد العمراني ومنع ظاهرة البناء المخالف.
ويلزم قانون البناء الموحد الحكومة بتحديث الأحوزة العمرانية للقرى والمدن بصفة دورية كل 5 سنوات لتتناسب مع الزيادة السكانية وتفادي العشوائيات.
 

من عجائب قانون التصالح هذا أن الحكومة تبدو وكأنها تكافئ من لم يحترم القانون بإضفاء مشروعية على بيته الذي بناه في أرض زراعية بدون ترخيص، أحد أدوات هذه المكافأة أنها تفرض على المخالف دفع غرامة ليصبح بيته معترفًا به من أجهزة الدولة وينعم بالمرافق من مياه وكهرباء وغاز وخلافه.. 

بينما جاره الذي يجاوره واحترم القانون، وتقع أرضه كمتخللات بين مبنيين مخالفين ولا يستطيع زراعتها لأنها فقدت مقومات الزراعة ولا تصلها المياه ولم يبنِ بيتا مخالفًا، ترفض الحكومة إضافة أرضه للأحوزة العمرانية.

الجريدة الرسمية