لماذا خسرت البطة؟
في كل سباق في هذا العالم هناك خاسر، وهذه سنة الحياة التي يتقبلها العقل البشري بصدر رحب.. إلا إذا كان الخاسر بطة.. عندها يتحول الأمر إلى قضية رأي عام، ومؤامرة كونية، واجتماع عاجل لمجلس الأمن، وتحليلات سياسية تبدأ من سعر الذرة الصفراء ولا تنتهي عند الماسونية العالمية.
البطة يا سادة لم تخسر لأنها بطة، بل لأنها صدقت الدعاية القديمة التي تقول إن المشاركة أهم من الفوز. وهذه أكذوبة اخترعها غالبا حصان فاز بالمركز الأول بينما كان يلوك الشوفان بسعادة.
دخلت البطة السباق بثقة زائدة، تتهادى بخطواتها القصيرة وهي تظن أن الكيوت يكفي لصناعة الانتصار. كانت تبتسم للجمهور، تلوح بجناحها، وتصدر أصواتا لطيفة تصلح كنغمة إشعارات لهاتف مراهقة في الصف الثاني الإعدادي، بينما كانت الحيوانات الأخرى تتدرب فعلا.
فالأرنب كان يجري والحصان كان يتمرن والكلب كان يلهث باحترافية، أما البطة فكانت منشغلة بالتقاط الصور ونشرها تحت وسم: رحلة النجاح تبدأ بخطوة.
ثم فوجئت، في منتصف الطريق، أن النجاح أحيانا يحتاج إلى أكثر من خطوة.. يحتاج مثلا إلى ساقين صالحين للجري. البطة أيضا وقعت في خطأ استراتيجي قاتل: صدقت التصفيق. وما أكثر التصفيق الذي يسبق الكوارث.
الجمهور كان يهتف لها لا حبا فيها، بل لأن البشر بطبيعتهم يعشقون الكائن الذي يبدو أنه لن يفوز. هناك متعة خفية في تشجيع مشروع خسارة نبيل. الناس يحبون المأساة طالما لا يعيشونها شخصيا.
ولهذا تجد الجميع يشجع البطة بحماس، ثم يعود إلى منزله سعيدا لأن توقعاته التشاؤمية تحققت. ثم علينا ألا نتجاهل نقطة مهمة.. البطة كانت تعاني من أزمة هوية. فهي ليست طائرا كاملا، ولا سمكة محترمة، ولا حيوانا بريا يمكن الوثوق به. كائن يعيش في الماء ويمشي على اليابسة ويطير أحيانا إذا شعر بالإحراج. شخصية قلقة وجوديا منذ البداية.
كيف يفوز مخلوق لا يعرف أصلا أين مكانه الطبيعي؟ ثم جاء الإعلام. الإعلام الذي حول خسارة البطة إلى ملحمة فلسفية. ظهرت البرامج الحوارية: هل تعرضت البطة للتهميش؟ هل السباق منحاز ضد ذوي الأقدام المفلطحة؟
خبير استراتيجي يكشف: البطة كانت ضحية خطاب كراهية ممنهج. وبالطبع خرجت البطة نفسها بعد الهزيمة بتصريح تاريخي قالت فيه إنها فخورة بالتجربة. وهذه الجملة تحديدا لا يقولها إلا شخص خسر خسارة ساحقة.
الفائز لا يقول إنه فخور بالتجربة.. الفائز يكون مشغولا بعد الجوائز. ثم ظهرت لجان إلكترونية تهاجم الأرنب لأنه فاز بطريقة مستفزة، بينما طالبت حسابات أخرى بإعادة السباق بعد مراجعة اللقطات البطيئة التي أثبتت أن البطة كانت ترفرف بطريقة غير مستقرة بسبب الرياح.
وبعد أسبوعين.. نسي الجميع البطة. وهذه هي المأساة الحقيقية. فالخسارة ليست أن تسقط في السباق، بل أن يكتشف العالم أن بإمكانه مواصلة حياته طبيعيا دونك. أما البطة، فقد عادت إلى البحيرة، تجلس فوق الماء بتلك النظرة الفلسفية الثقيلة التي يمتلكها كل من خسر معركة كان متأكدا أنه بطلها.
ومن يومها، كلما سمعت صوت بط بط قرب النهر، فاعلم أنها ليست مجرد بطة.. بل مشروع خاسر سابق، ما زال يراجع أخطاءه التكتيكية.
