لماذا اختفى الرضا من حياة الإنسان في العصر الحديث؟ الأوقاف تكشف السر وتضع الحلول
أكدت وزارة الأوقاف المصرية أن القناعة والرضا من أعظم القيم الأخلاقية التي تمنح الإنسان السعادة الحقيقية والطمأنينة النفسية، وتقيه من الوقوع في دائرة الطمع والحسد والتطلع المستمر إلى ما في أيدي الآخرين، مشيرة إلى أنه مع فطرة الإنسان على حب المال والرغبة في تحسين أحواله، يبقى التوازن بين السعي المشروع والرضا بما قسم الله أساسًا للاستقرار النفسي والاجتماعي.
مفهوم القناعة والرضا
وقال وزارة الأوقاف عبر موقعها الإلكتروني إن القناعة والرضا من القيم الأخلاقية التي تسهم في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، كما يمثلان أساسًا مهمًّا في بناء مجتمع متماسك تسوده المودة والتعاون والاستقرار، وفي ظل ما يشهده العصر الحديث من تسارع في وتيرة الحياة وانتشار ثقافة الاستهلاك والمقارنات الاجتماعية أصبحت الحاجة ملحة إلى ترسيخ قيم القناعة والرضا باعتبارهما وسيلتين لتحقيق السعادة الحقيقية والحد من المشكلات النفسية والاجتماعية، فالقناعة هي شعور الإنسان بالاكتفاء بما لديه من نعم وإمكانات مع السعي المشروع نحو الأفضل دون طمع أو حسد للآخرين، أما الرضا فهو تقبل ما يقدره الله للإنسان من ظروف وأحداث مع الاطمئنان والثقة بحكمته سبحانه وتعالى والرضا هو التقييم الذاتي والمعرفي من قبل الفرد لجودة حياته [دراسة تنبؤية للعلاقة بين تنظيم الانفعال والرضا عن الحياة، والضيق النفسي لدى عينة من تلاميذ مرحلة التعليم الأساسي، طاهر سعد حسن عمار، ص ٢٤٩]، وترتبط القناعة بالجانب السلوكي للإنسان، بينما يرتبط الرضا بالجانب النفسي والوجداني، وكلاهما يكمل الآخر في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد.

أثر القناعة والرضا في بناء الفرد
وأوضحت الأوقاف أن القناعة والرضا تؤثران على حياة الفرد من خلال الرضا بواقعه الاجتماعي المَعيش، فتشمل تحقيق التوافق الاجتماعي للفرد، على اعتبار أن التوافق الاجتماعي ينبع من التوازن النفسي للفرد الذي يكتسبه من القناعة، فالتوافق الاجتماعي هو أحد نواتج القناعة والرضا.
وذكرت أن التوافق الاجتماعي يعنى: قدرة الفرد على التكيف مع البيئة الاجتماعية، والالتزام بالمعايير الاجتماعية، وقواعد الضبط والتفاعل الاجتماعي السليم والمشاركة بإيجابية في النهوض بالمجتمع، وتتميز البيئة المجتمعية بأنها ذات طبيعة متغيرة، وهي تتطلب من الفرد أن يعدل سلوكه حتى يمكنه التكيف معها بطرق مشروعة تجعله راضيًا عن نفسه يحظى بالرضا والقبول الاجتماعي؛ ولذا فنجاح الفرد في التوافق الاجتماعي دليل على قدرة الفرد على إقامة علاقات مرضية مع أفراد المجتمع الذي يعيش فيه: علاقات تتسم بالتعاون والتسامح والإيثار لا يخالطها العدوان أو الارتياب أو الاتكال أو عدم الاكتراث لمشاعر الآخرين، والقناعة والرضا يؤثران على بناء الفرد؛ حيث إن تدريب الفرد على التكيف مع الظروف المجتمعية، وسبيل تحقيق الرضا الطبقي يؤدي إلى القناعة بما قسم الله لعباده من الرزق، وما وهب لهم من مواهب، فالقناعة تعني: أن يرضى الإنسان بما وهب الله مما لا يستطيع تغييره، وفى حدود ما قدر له أن يكون نشاطه وطموحه.
أثر القناعة والرضا في بناء المجتمع
وأشارت إلى أن للقناعة والرضا أثر في بناء المجتمع حيث إنها تؤدي إلى:
زيادة التماسك الاجتماعي عندما تسود القناعة بين أفراد المجتمع تقل مشاعر التنافس السلبي والصراعات الناتجة عن المقارنات الاجتماعية، مما يعزز روح المحبة والتعاون.
تقوية الروابط الأسرية: يساعد الرضا على تقليل الخلافات الأسرية المرتبطة بالجوانب المادية، ويعزز قيم الاحترام والتفاهم بين أفراد الأسرة.
نشر ثقافة التكافل والتعاون: فالشخص القنوع أكثر استعدادًا لمساعدة الآخرين والتعاون معهم؛ لأنه لا ينشغل بالمنافسة غير الصحية أو السعي المفرط وراء المكاسب المادية.
تحقيق الاستقرار المجتمعي: حيث تسهم القناعة والرضا في الحد من بعض المشكلات الاجتماعية مثل الحسد والجريمة الناتجة عن الطمع، مما يدعم الأمن والاستقرار داخل المجتمع.
معوقات القناعة والرضا في العصر الحديث
وأضافت: تندرج القناعة والرضا ضمن هذه القيم الغائبة عن الواقع المَعيش، والمتخلَّى عنها في ظل ضغوط الحياة على الفرد؛ لإشباع الحاجات والرغبات، فالإنسان وإن كان يتطلع إلى نوع أرقى من المعيشة وإلى المزيد من الرفاهية، إلا أن ذلك كان له مردوده السلبي على الفرد؛ حيث أدى ذلك إلى شيوع العادات الاستهلاكية التي لم تتوقف عند حد تلبية الحاجات الضرورية للإنسان والقناعة، بل تخطت إلى المزيد من الإنفاق من أجل التباهي والتفاخر، والمقارنات الاجتماعية المختلفة، التأثر بالمحتوى المرئي المعروض على وسائل التواصل الاجتماعي، وربط النجاح والسعادة بالممتلكات المادية وليس بالرضا والقناعة، وهذا أفرز العديد من المشكلات الاجتماعية الخطيرة كارتفاع معدل الجريمة والعنف، وشيوع مظاهر السخط والإحساس بالإحباط والدونية لدى الفئات الاجتماعية العاجزة عن تلبية حاجاتها أمام تفوق ومباهاة الآخرين، وفي ظل الواقع الاقتصادي المَعيش الذي أصبحت الأهواء والرغبات والنزوات موجهات رئيسية للسلوك الإنساني في المجتمع المعاصر، بل أصبحت في سلم الأولويات القيمية للغالبية من أفراد المجتمع، في ظل هذا الوضع تصبح البيئة الاجتماعية مهيأة لتصاعد الطموح المادي وشيوع الطمع والانحلال وغياب القناعة والرضا بين أفراد المجتمع [التربية على القناعة من منظور إسلامي، أحمد عبد الرسول محمد مصطفى، ص ٤٤٦].

عوامل تعزيز القناعة والرضا لدى الفرد
التوعية الدينية والأخلاقية: حيث تؤكد التعاليم الدينية أهمية الرضا بما قسمه الله للإنسان، وتحذر من الطمع والحسد لما لهما من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في غرس قيم القناعة والرضا لدى الأبناء من خلال القدوة الحسنة والتوجيه السليم، والاعتدال في تربية الأبناء، وتربيتهم على الثقة بالنفس، وتصحيح التصور الخاطئ لمفهوم الرزق.
نشر ثقافة الامتنان: يساعد تعويد الأفراد على شكر الله واستحضار النعم الموجودة في حياتهم على تعزيز مشاعر الرضا والسعادة.
الاستخدام الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي: تنمية الوعي بمخاطر المقارنات الاجتماعية التي قد تنتج عن متابعة المظاهر والصور المثالية للحياة التي يعرضها الآخرون.
تعزيز القيم الإنسانية مثل التواضع، والتعاون، والتكافل الاجتماعي.
أهمية القناعة والرضا
واختتم الوزارة بالتأكيد على أن القناعة والرضا من الركائز الأساسية في بناء الفرد والمجتمع، فهما يمنحان الإنسان السكينة والقدرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات وإيجابية، كما يسهمان في نشر قيم التعاون والمحبة والتكافل بين أفراد المجتمع، وفي ظل التحديات المعاصرة، تزداد الحاجة إلى تعزيز هذه الركائز من خلال الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، بما يسهم في تحقيق السعادة والاستقرار للفرد والمجتمع.
