رئيس التحرير
عصام كامل

زمن المايكرو دراما

18 حجم الخط

الناس كـ «أم العروسة» فاضية ومشغول، لم يعد المتلقي يملك رفاهية الجلوس الطويل أمام حكاية تروى على مهل. لهذا وفي قلب هذا الإيقاع اللاهث، ولدت المايكرو دراما، كائن فني جديد، صغير في حجمه، هائل في انتشاره، يقتنص لحظة الانتباه كما يقتنص الصقر فريسته، ثم يختفي قبل أن يتاح لك أن تلتقط أنفاسك.

لكن السؤال.. هل نحن أمام مستقبل الحكي البصري، أم مجرد وجبة سريعة تشبع لحظة وتترك الجوع كما هو؟

لا يمكن إنكار أن منصات الفيديو القصير أعادت تعريف العلاقة بين المتلقي والمحتوى. لم يعد الجمهور ينتظر العمل، بل العمل هو من يطارده في جيبه، على شاشة هاتفه، في دقائق مسروقة بين التزامات الحياة. هذا التحول فرض على صناع الدراما معادلة جديدة ملخصها ببساطة كيف تبنى حكاية كاملة من بداية وذروة ونهاية في زمن لا يتجاوز دقائق معدودة؟

التحدي هنا ليس تقنيا فحسب، بل إبداعي في جوهره فاختزال الزمن لا يعني بالضرورة اختزال الفكرة، بل تكثيفها، والفرق شاسع بين التكثيف والاختزال.. التكثيف فن أما الاختزال فغالبا ما يكون مجرد بتر للنص.. والمايكرو دراما الحقيقية هي تلك التي تشبه القصيدة كل كلمة فيها محسوبة، وكل لحظة مشحونة، وكل صمت مقصود.

غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه المساحة إلى سوق للاستهلاك السريع، حيث تستبدل الحبكة بالإثارة، والشخصية بالكليشيه، والدهشة بالصدمة الرخيصة..عندها يا عزيزي لا تعود الدراما فنا، بل تصبح محتوى عابرا، يستهلك كما تستهلك أي مادة ترفيهية سريعة، بلا أثر يذكر.

ومع ذلك، فإن في هذا القالب إمكانات هائلة لمن يحسن استغلالها فالمسألة ليست في طول الزمن، بل في عمق الرؤية يمكن لدقيقة واحدة أن تحمل ما لا تحمله ساعة، إذا كتبت بصدق، وصورت بوعي، وأدير إيقاعها بحرفية. المايكرو دراما تمنح الكتاب فرصة نادرة للتجريب، لكسر القوالب التقليدية، ولابتكار أشكال جديدة من السرد البصري، تعتمد على الإيحاء أكثر من الشرح، وعلى الإحساس أكثر من السرد المباشر.

إنها ببساطة مدرسة قاسية في الاقتصاد الفني حيث لا مكان للحشو، لا وقت للمقدمات الطويلة، ولا مساحة للأخطاء، كل ثانية لها ثمن وكل مشهد يجب أن يؤدي وظيفته بدقة الجراح.

يبقى السؤال مفتوحا.. هل ستنضج هذه التجربة وتتحول إلى تيار فني قائم بذاته، أم ستظل أسيرة منطق السوق والمنصات؟

الإجابة في رأيي الذي لا يشبه رأي كابتن مدحت شلبي ليست في يد المنصات وحدها، بل في يد الكتاب والمخرجين. إما أن يرضخوا لمنطق الوجبة السريعة، أو أن يعيدوا تعريف هذا القالب ليصبح فنا مكثفا، لا يقل عمقا عن الدراما الطويلة، بل ربما يتفوق عليها في لحظات الصفاء الإبداعي.. فالزمن قد يقصر، لكن الحكاية إن كتبت بصدق لا تقاس بالدقائق.

الجريدة الرسمية