رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (11)

التجربة الإندونيسية صفعة على وجه تجار الحداثة

18 حجم الخط

بنمط إعجازي في توظيف نهجٍ حداثي حقيقي استطاعت إندونيسيا تقديم أروع الأجوبة على سؤال النهضة المؤلم الذي يتعثر فيه عالمنا العربي والإسلامي منذ طرح الأفغاني ومحمد عبده إشكاليته بالقرن الماضي.

 

وربما كان غياب أدعياء التنوير وتُجَّار الحداثة والعصرنة عن ساحة الفكر وتشكيل الوعي أحد أهم أسباب انطلاق حُرَّاس الهوية بأندونيسيا لوضع خارطة طريق النهضة والإصلاح، بمنأى عن  ضجيج الأواني الفارغة والطبول الجوفاء التي تقرعها الظاهرة الصوتية بالحداثة العربية المزعومة، بما تثيره من حرب شعواء على روحانية الدين وطهرانيته وأخلاقياته وقيمه.

 

فبسبب غياب ذلك العائق الحنجوري استطاعت خارطة النهضة والإصلاح الاقتصادي أن تدخل حيز التنفيذ بأيدي 280 مليونا من البشر هم سكان أندونيسيا أكبر دولة إسلامية المنتشرون على مساحة جُزُر متفرقة ومتباعدة يبلغ تعدادها سبعة عشر ألْفًا وخمسمائة وثمانٍ من الجُزُر، كأكبر دولة أرخبيلية في العالم.


وقد كان المُنْطَلق الأساس لتحقيق النهضة الاقتصادية هو التعايش الديني وبناء الروح الحضارية الجامعة بين التنمية المادية والرسالة الروحية.

ذلك الأمر الذي جعلته أبواق الحداثة التغريبية أعظم الإشكاليات المعوِّقة  لنهضة العالم الإسلامي في العصر الحديث بدعاواها الخاطئة أن النهضة الاقتصادية لا تتحقق إلا بإقصاء الدين عن الحياة العامة، وأن التقدم الحضاري يقتضي تجفيف منابع التدين والروحانية وإضعاف المؤسسات الدينية ومعاهدها التعليمة كالأزهر ودار العلوم.

 

لأن تلك الأبواق في تصوراتها الخاطئة كانت أسيرة النموذج الغربي في صراعه التاريخي مع الكنيسة، فتوهمت أن طريق التقدم لا يكون إلا كما كان في الغرب عبر العلمنة الشاملة، وقطع الصلة بين المجتمع وقيمه الروحية. لكن التجربة الإندونيسية جاءت لتقدم نموذجًا مغايرًا بالغ الدلالة.

 

إذ استطاعت إندونيسيا أن تصبح واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية وعضوًا مؤثرًا في مجموعة العشرين الأقوى تأثيرا اقتصاديا في العالم، وفي الوقت ذاته حافظت على حضور الدين وروحانيته في المجال العام، وفتحت المجال واسعًا أمام التعليم الديني، ورسَّخت ثقافة التعايش والتسامح بين مكونات المجتمع المختلفة، فجمعت بين قوة الاقتصاد وعمق الروح، وبين التنمية المادية والاستقرار القيمي والأخلاقي والروحي.

 

ولم تكن خارطة الطريق الإصلاحي التي وضعها حُراس الهوية بأندونيسيا إلا وجها من وجوه الهوية الحضارية والوطنية غير المستوردة من جهة الشرق أو الغرب. فقد انعكست فيها الأبعاد الروحية والثقافية والوطنية والقيمية للشعب الإندونيسي؛ مما يتجلي في عناصرها الرئيسة التالية:

أولًا: بناء التعايش الوطني.

فتقوم الدولة الإندونيسية الحديثة على فلسفة جامعة تُعرف بـ (بانشاسيلا) تقوم على عناصر: الإيمان بالله، والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والتعددية الدينية والثقافية. 

فلم تُبنَ الدولة على أساس من الإقصاء الديني، وإنما على الاعتراف بالتنوع وإدارته في إطار الوحدة الوطنية: (مسلمون، مسيحيون، هندوس، بوذيون)؛ ومن ثمَّ تحوَّل التنوع الديني إلى عنصر إثراء حضاري وليس عامل تفكيك وهدم أو صراع.

وهنا تتجلى عبقرية التجربة الإندونيسية إذ أدركت أن التنمية الاقتصادية لا تزدهر في بيئة الاحتراب الطائفي والكراهية المجتمعية، وإنما في مناخ السلم الأهلي والثقة المتبادلة؛ ولهذا ارتبط الاستقرار السياسي والاجتماعي في إندونيسيا بالنمو الاقتصادي المتصاعد الذي جعلها نموذجًا رفيعا في الجمع بين التعددية الدينية والنمو الاقتصادي.

ثانيًا: الروحانية الدينية.

الدين في التجربة الإندونيسية ليس خصمًا للتنمية بل رافعة لها على العكس من الخطأ الذي وقعت  فيه بعض التجارب الحداثية العربية بتعاملها مع الدين بوصفه عائقًا أمام التقدم، بينما أدركت إندونيسيا أن روحانية الدين وقيمه يمكن أن يكون قوة أخلاقية واجتماعية داعمة للتنمية.

فأُُتيح له المجال لبناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا؛ لذلك ظل المجتمع محتفظًا بدرجة عالية من التماسك الأسري والانضباط الاجتماعي والتكافل الأهلي، وهي كلها عناصر ضرورية لأي نهضة اقتصادية مستقرة.

ثالثًا: التعليم الديني.

من أبرز ما يلفت النظر في التجربة الإندونيسية أنها لم تُغلق المدارس والمعاهد الدينية، ولم تعتبر التعليم الشرعي خطرًا على المجتمع، بل سمحت بانتشار عشرات الآلاف من المعاهد والمدارس والجامعات الإسلامية المعروفة باسم (بيسانترن) والتي يبلغ عددها اثنين وأربعين ألفًا.. 

والتي لم تعُد مجرد مراكز لحفظ العلوم الدينية وفقهها، بل تحولت إلى مؤسسات لبناء الإنسان وتأهيله اجتماعيًا ومهنيًا واقتصاديًا ليُسْهم  بدور فاعل في التنمية الاقتصادية المحلية ودعم الاقتصاد المجتمعي، وليكون جزءًا من البنية الاقتصادية الوطنية، خاصة في دعم المشروعات الصغيرة والتنمية المجتمعية.

رابعًا: القران بين الروح الديني والانفتاح الحضاري.

لعل أبرز أسرار نجاح التجربة الإندونيسية أنها لم تجعل التدين مرادفًا للانغلاق، ولم تجعل الحداثة مرادفة للانسلاخ من الهوية وتحطيم القيم الاجتماعية.

فقد ظهر في إندونيسيا نموذج لما يُعرف بالتدين المجتمعي المتسامح، الذي يحافظ على الشعائر والهوية، وفي الوقت نفسه يقبل بالتعددية ويتفاعل مع العصرنة والحضارة بمختلف وسائطها؛ وقد أسهَم ذلك التدين الروحي بفعالية في تعزيز التعايش والاستقرار المجتمعي والمبادرات الإنسانية العالمية.

ومن ثمَّ استطاعت إندونيسيا أن تقدم للعالم صورة مختلفة عن العلاقة بين الدين والحداثة؛ صورة تؤكد أن التدين لا يمنع المشاركة في الاقتصاد العالمي، ولا يعطل العلم، ولا يعيق التنمية، بل قد يكون قوة بناءة ومصدرًا للطاقة الأخلاقية والانضباط الاجتماعي.

لقد أثبتت إندونيسيا أن الأمم لا تضطر للاختيار بين الدين والتنمية، ولا بين الروح والحضارة، ولا بين الهوية والانفتاح. وإنما تستطيع إذا امتلكت الحكمة والرؤية أن تجمع بين قوة الاقتصاد وعمق الإيمان، وبين التقدم المادي والاستقرار القيمي.

 ومن هنا فإن التجربة الإندونيسية تمثل شاهدًا حيًا على فشل المقولة الحداثية العربية التي تزعم أن النهضة لا تتحقق إلا بإقصاء الدين، كما تمثل في الوقت ذاته نقدًا عمليًا للتطرف الديني وجماعاته السياسية أو الإرهابية وللانغلاق والجمود الفقهي؛ إذ قدمت نموذجًا وسطًا يفتح المجال للروح الديني  ليبني الإنسان، وللعلم ليبني الحضارة، وللاقتصاد ليخدم المجتمع.

وهكذا تتأكد الحقيقة القرآنية الكبرى أن عمران الأرض لا ينفصل عن تزكية الإنسان، وأن النهضة الحقيقية إنما تقوم حين تتآلف القيم الروحية مع السنن الحضارية في مشروع إنساني متوازن.

الجريدة الرسمية