رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (5).. قنابل الإبراهيمية تغتال سلام الأديان

18 حجم الخط

كانت صدمة العالم فاجعة في الحرب الدينية على إيران لأنها كانت الصخرة التي تحطمت عليها الآمال في سلام دائم تفرضه أخلاق التسامح في الأديان.. فبينما كانت البشرية تتطلع إلى عالم أفضل مستبشرة بالمبادرات الدولية الساعية إلى إعادة صياغة العلاقات بين الأديان والشعوب، في إطار جديد قائم على الحوار والتعايش والسلام.. 

خاصة مبادرة الاتفاق الإبراهيمي (Abraham Accords) عام 2020 م لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ومبادرة وثيقة الأخوة الإنسانية ( A DOCUMENT ON HUMAN FRATERNITY FOR WORLD PEACE AND LIVING TOGETHER ) التي وُقِّعت في أبوظبي عام 2019 م بين الأزهر والفاتيكان لتعزيز الحوار بين الأديان.. فإذا بقنابل الإبراهيمية تُطْلَق مُدوِّية لتهشم رأس السلام الذي فرضته آيات المصاحف في الأديان.

فالمصحف القرآني تتوسطه مركزية السلام الجوهرية ناطقة بحسم ملزم تجاه واجبين:

أولهما: فريضة السلام

فالسلام بالقرآن الكريم ليس فحسب عنصرا أصيلا وجوهريا من عناصر التعاليم القرآنية المعرفية والأخلاقية والسلوكية والاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.. بل السلام في القرآن فريضة من الفرائض القرآنية التي جاءت مصحوبة ببيان أركانها، وأُسسها المعرفية، وضوابطها وأخلاقياتها، ووسائل إقرارها وتثبيتها.

 

لذلك فالسلام في القرآن ليس حالة بل أساس الحياة والأصل الأصيل فيها، والخروج عن هذا الأساس بالحرب أو النزاع أو الشجار أو الخصام أو العداء هو الاستثناء المرفوض الذي يجب العدول عنه، والعودة سريعا إلي ركن السلام.

 

وربما يكون عدد مرات ورود لفظة الحرب بالقرآن التي تكررت فحسب أربع مرات أبلغ دليل علي ما نقول بالمقارنة بكلمة السلام التي وردت بلفظها وحروفها 43 مرة، ووردت بمشتقاتها ومضامينها وتعاريفها أكثر من 120 مرة.

 

كما أن الدعوة إلي التزام السلام والانخراط في أجوائه كنمط حياة لم تأت بالقرآن في صيغة الحث أو التشجيع أو التحفيز أو الاستحباب أو الجواز أو الندب، بل جاءت علي نحو حاسم وقاطع وصارم وجازم ومؤكَّد في صورة الأمر المُلزم دون أية استثناءات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) سورة البقرة /208.


فلفظة (كافة) تعني الشمول لكل الحالات والمجتمعات والأشخاص دون شروط أو استثناءات أو قيود. ولأن حالة السلام هي الأصل الأصيل المنظِّم للحياة الإنسانية، فإن القرآن يدعو الجميع إلى العودة إلي ذلك الأصل إن حدث ما يعكِّر صفوه من حالات نزاع أو اختلاف أو صراع. يقول القرآن: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ) الأنفال / 61.

 

ويستوي هذا الفرض والتكليف القرآني بالتزام حياة السلام والمسالمة في حالة السلام الاجتماعي بين الأفراد والسلام الجماعي بين المجتمعات والأمم والحضارات والأديان.. فالمجتمع الإنساني بالقرآن قد تأسس علي مبدأ الأخوة الإنسانية بين بني البشر جميعا الذين هم أخوة لأب واحد هو آدم وأنثي واحدة هي حواء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ ) الحجرات/13.

 

ولذلك استقر عند المسلمين تعريف المسلم الحقيقي بأنه: (مَنْ سَلِم الناسُ من لسانه ويده)، فأولئك الناس جميعا هم أخوته الذين يجب مسالمتهم والعيش في سلام الأخوة والمحبه معهم.. ولا تنحصر مركزية السلام بالقرآن فيما سبق رصدُه واستخلاصه من دلائل ومقررات.

 

بل إن مركزية السلام بالقرآن تقتحم علينا الأعين والعقول في آن واحد عندما نجد أن الله تعالي قد خصَّ نفسه في أسمائه الحسني باسم (السلام) في قوله تعالي مخبرا عن نفسه: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) الحشر/23؛ ليجعل من العيش في السلام حياة تقديس لله الواحد إله السلام الذي لايدعو إلا إلى السلام.

 

كما أن الله قد جعل السلام هو علامة محبته ورضاه التي يخلعها علي أنبيائه وأوليائه وأصفيائه المختارين تكريما لهم فقال تعالي علي لسان المسيح عيسي رسول السلام: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) مريم /23.

وهذا السلام جعله الله كذلك تحية لأهل الرضوان من عباده الفائزين بجنة الخلد والنعيم في اليوم الأخر: يقول القرآن: (خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) إبراهيم /23.

 

الثاني: دستور متكامل لإقرار العمل بالسلام وترسيخ أخلاقياته ومفهومه

وذلك من خلال مقررات ومقومات ووسائل جوهرية فاعلة في تحويل السلام من واقع القيم والأخلاق النظرية إلي واقع الحياة التطبيقي العملي، إلى جانب حزمة التدابير والوسائل الاحترازية الحائلة دون الخروج عن فريضة السلام..

 

وهي عبارة عن الوسائل التي تمنع وتقيّد وتحجِّم الممارسات التي تعوق السلام أو تعطل تطبيقه أو تخرق الالتزام به أو تفتح الباب للصراع والنزاع، وذلك مثل:
1- النهي عن العدوان والبغي بكافه أشكاله ودواعيه قال تعالي: (وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) النحل/90، (وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المائدة /87.


2 - تحريم وتجريم قتل النفس الإنسانية (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الإسراء /33.
3- منع التنازع وغلق أبواب الصراع والمشاحنات (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) الأنفال /46.
4 - تغليظ عقوبة الاعتداء على الناس بالقتل وجعلها النفس مقابل النفس.

 

5 -  الحوار بالإقناع العقلي والحجج القوية: قال تعالي (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل /125، وقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) سورة فصلت /34.


6 - إطلاق الممارسات وتنمية الأخلاقيات التي تعمل علي تعظيم السلام وإقراره وفتح الأبواب أمام العمل به مثل: 
أ-التعايش وفق مبدأ الأخوه الإنسانية فالجميع من الناس أخوة لأب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء. يقول الله في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ) الحجرات /13.


ب – تفعيل مبدأ التعددية الدينية والثقافية والأممية تفضيل وأن الجميع لهم اعتبارهم الإيماني والاخلاقي عند الله قال تعالي: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ) البقرة / 256، ليغلق تماما باب الحروب والصراعات الدينية التي تقوض دعائم السلام، ثم ليفتح باب التعايش بين الأديان والأمم والحضارات في ظل تعددية الاختلاف التي تحفظ لكل صاحب هوية دينية رصيده الإيماني عند الله. 

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/ 62.


ج - الوفاء بالعهود والمواثيق السلمية والتعاونية لتثبيت دعائم السلام. يقول الله في القرآن: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) الصف/ 34، ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المائدة /1.
ح - العفو والصفح عن المخطئ والتزام السلام والتسامح معه رغم عدوانه. قال تعالى مطالبًا بفريضة التسامح:( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ) الزخرف /89.


خ - التعاون الإلزامي علي أعمال البر والخير والامتناع التام عن أعمال البغي والعدوان. يقول القرآن: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة /2. فهذا التعاون والعمل الجماعي أفضل الطرق للتقارب والتعايش وفتح أبواب القلوب والعقول على مصراعيها أمام السلام.

 

وفي مصحف العالم المسيحي جاءت الموعظة على الجبل في إنجيل متَّي جوهرة في السلام الديني انطلاقا من (مَنْ لطمك على خدك الأيمن فأَدِرْ له الآخر) وانتهاء إلى (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَون).

 

ذلك الأساس الذي أقام عليه عالم الأديان اللاهوتي السويسري هانز كونج أعمق مَنْ طرح مشروعا إنسانيا شاملا لحوار الحضارات، عندما اشتمل منظوره لحوار الحضارات على الجوانب الدينية الجوهرية، وعلى الآليات والوسائل اللازمة، وكذلك على الجوانب الإنسانية الضرورية بمتطلباتها المتنوعة التي لايمكن لأي أطروحة في الحوار أن يُكتب لها النجاح دونها.


فحوار الحضارات الذي يبقى بعيدا عن معالجة الحلول الجذرية للمسائل الأكثر محورية في حياة الإنسان مما تتقاطع حولها مصالح الأمم وأيديولوجياتها وثقافاتها وتقاليدها وأعرافها وأديانها سيظل حوارا نظريا شكليا قاصرا على التنظير دون التفعيل أو التأثير الحقيقي. 


ومثل هذا الحوار لن يستطيع الصمود في مواجهة الدعوة الخشنة إلى صدام الحضارات التي تبناها هينتجتون الأمريكي وتجد تطبيقاتها في مجمل السياسات الدولية والصراعات الآنية الدامية.

فمنذ أن شرع هانز كونج في الاشتغال العلمي بموضوع (اللاهوت المسكوني)، ثم بتأسيس (جمعية الأخلاق العالمية) وهو مدرك لأهمية تأصيل المشتركات الإنسانية الجامعة لآمال البشرية وطموحاتها نحو مستقبل، والتي تمثل أهم عوامل الاجتماع والسلام والتقارب والتعايش والحوار.

لذلك جاءت دعوته إلى السلام العالمي والحوار في إطار برنامج لاهوتي حُرّ يستهدف إرساء دعائم سلام عالمي شامل:
- لا سلام بين الأمم دون سلام بين الأديان..
- لا سلام بين الأديان دون حوار بين الأديان..
- لا حوار بين الأديان دون بحث أصول الأديان.

  

فقد تصدى هانز كونج لظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب؛ لتصحيح تلك الصورة الذهنية المشوهة 
التي ترسَّختْ في الغرب نحو الإسلام.. فبيَّن أنها تتجاهل وتغفل عن الجوانب الحضارية والثقافية والعقائدية والأخلاقية والتيارات التحديثية التي يمكن الحوار معها من أجل تحقيق السلام بين الإسلام والمسيحية وإحلال السلام بين الغرب والعالم الإسلامي بدلا من لغة الصدام والصراع والمواجهة.

ولكي تكتمل واقعية مشروع السلام الأممي والحوار كان لابد أن يتقدم هانز كونج بمشروعه خطوة تأسيسية واسعة التأثير عندما يطرح المشتركات الاعتقادية والأخلاقية السبعة بين الغرب والعالم الإسلامي حول مؤسسي الحضارتين من الأنبياء والرسل:
1. مثلما عمل أنبياء بني إسرائيل عمل رسول الإسلام على أساس من الوحي الإلهي وليس استنادا إلى سلطة وظيفية أو اجتماعية. 


2. كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما كان أنبياء بني إسرائيل من ذوي الإرادة والشخصية القوية المستندة إلى التكليف الإلهي. 
3. لم يُرِد أحد من أنبياء الحضارتين أن يكون شيئا آخر غير الناطق باسم الله ومبلّغ كلمته.
4. دعوا جميعا إلى الإله الواحد. 


5. طالبوا جميعا بالخضوع والاستسلام التام لهذا الإله الواحد.
6. ربطوا جميعا بين الدعوة إلى التوحيد وبين الجانب الإنساني في تحقيق العدالة. 
7. عانَوا جميعا من المقاومة المجتمعية الشرسة المدعومة بالتقاليد والأعراف المناهضة لحماس الأنبياء وإخلاصهم.

الجريدة الرسمية