نافذة على الوعي (8).. أزمة الهوية في الخطاب التنويري
لم يكن ليدور بخلد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عندما كتب رسالته الشهيرة: Beantwortung der Frag:Was ist Aufklärung عام1784م، معرِّفًا التنوير بأنه خروج الإنسان من حالة اللارشد التي أدخل نفسه فيها إلى حالة الرشد التي لا يسمح لعقل غيره أن ينوب عنه في التفكير أو التوجيه، وذلك (وهو الغريب في الأمر) جوابًا عن سؤال القس يوهان فريدريش تسولنر: ما التنوير؟
فالقس يوهان فريدريش صاحب السؤال ومتلقي الجواب دون اعتراض عليه، هو المؤمن ذو الهوية الدينية القائمة على الحقيقة المزدوجة الجامعة بين طرفيها (العقل والإيمان أو الحكمة والوحي أو الدين والفلسفة)، كما قررها القديس توما الإكويني مِلْفان الكنيسة الكاثوليكية (ت 1274م) تلك الحقيقة التي كان قد سبقه إليها فيلسوف التنوير فقيه قرطبة أبو الوليد بن رشد الحفيد (ت 1198م) تجليةً وتفصيلا وبرهنة واستدلالا في كتابه: فَصْل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
ما كان ليدور بخاطر كانط أن هذا التنوير سوف يتم يوما توظيفه ليكون أداة هدم وتفكيك ومَسْخٍ لأهم مكونات الشخصية الاستقلالية التي أراد كانط تكوينها من خلال بناء الوعي الإنساني الرشيد التماسًا لهوية مستقلة راسخة.
ولم يكن يتصور كانط يوما أن هناك من سيمسك بمعول التنوير ليهدم إنسانية الإنسان وينتهك حقوقه في ممارسة شرائط إنسانيته متمثلة في إعمال العقل وإطلاق حريته في التفكير والتوجيه والاستقلال.
لكن ذلك واقع ما يحاول أدعياء التنوير وتُجَّار الحداثة والعصرنة الذين ينسبونها للمنتج الحضاري التنويري المزعوم بالغرب.
فهم ينكرون ابتداءً هويتنا الحضارية والثقافية والعقائدية والأخلاقية في التنوير متناسين أن التنوير الحقيقي قد تضمنته أولا الهوية التأسيسية بالقرآن الكريم الذي وردت به ألفاظ النور 49 مرة بدلالات ومعاني إلزامية تتجاوز معنى النور الميتافيزيقي؛ لتشمل معاني الحكمة والإرشاد والهداية، جاعلةً
النور والتنوير أهم عطايا الله للإنسان، كي يساعده في مهمته الوظيفية بالاستخلاف في الأرض وعمارتها..
وفي الاهتداء بهذا النور والهداية إليه سواء أكان المقصود بالنور الإيمان أم القرآن الكريم أم الرسول الذي جاء بالقرآن أم الهداية وسبل السلام، وذلك على سبيل المثال مثل قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)، وقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ)..
فالنور والتنوير هو القرآن والرسول المرسل به؛ لهذا قيل في النبي صلى الله عليه وسلم شِعرًا:
إنَّ الرسول لنورٌ يُستضاء به
مُهنَّدٌ من سيوف الله مسلول.
وبهذا يكون تأسيس التنوير منهجا ومضمونًا مُنْتَجًا حضاريا أصيلا خاصًا بنا، وقد ثبت ذلك في الشعر ديوان العرب بالقرن الثالث الهجري في قول الشاعر:
إنارةُ العقل مكسوفٌ بِطَوع هوى
وعقلُ عاصي الهوى يزداد تنويرًا.
فليس الأمر إذن كما يزعم المفتونون بالحداثة والمتبتلون في محاريب التغريب والراسفون في أغلال التبعية للوعي الزائف، بأن التنوير وليدٌ غربي الأرومة والميلاد.
ولم يقتصر أمر الهجمة على هويتنا الحضارية التنويرية على إنكار السبق والريادة والأصالة فيها، بل تجاوزها ذلك إلى ازدواجية المعايير وفقدان الاتساق المنهجي والموضوعي في معايير التقويم والحُكْم على تنويرية الأفكار والمعتقدات والأخلاق والشرائع، فجعلوا الغرب وفلسفته وقيمه وأخلاقياته وأفكاره هي المرجعيات الثابتة التي يقاس عليها ما يجب أن يكون..
ومن ثمَّ يجب تخطئة وتأثيم وتجهيل ما يخالفها خاصة فيما يتعلق بحضور الدين في حياة الإنسان بالمجال العام.
فهنا تتكشف المفارقة العميقة والازدواجية الكبرى في الخطاب التنويري في التعامل مع الظواهر الدينية وقضايا حرية الاعتقاد والرأي عالميًا، حيث يُدان التدين الإسلامي بشدة، بينما يُتغاضى أو يُبرَّر التوظيف الديني في السياق الغربي.
وهو ما تجلَّى بوضوح في موقفين فاضحين كاشفين ازدواجية الخطاب التنويري الانتقائي في
نقده التقاليد الدينية وتحويله إلى أداة قمع وتفكيك للهوية وكبت لحرية الاعتقاد والتدين والتعبير وتحويل التنوير إلى أداة صراع أيديولوجي ضد التديُّنٍ الإسلامي، وليس منهجًا نقديًا شاملا يتناول كل الظواهر الدينية بلا استثناء:
أولا: المشهد الأول مشهد البيت الأبيض الأمريكي عندما انتقل الدين إليه ليعانق السياسة أمام عدسات الكاميرات وميكروفونات الإذاعات العالمية بالبيت الأبيض حيث:
1- طقوس الصلاة في البيت الأبيض بحضور قساوسة إنجيليين مجتمعين حول ترامب في المكتب البيضاوي واضعين أيديهم عليه للصلاة من أجله وإنزال البركة عليه.
2- استقبال رجال الدين بشكل منتظم طوال فترته الرئاسية.
3- توظيف الخطاب الديني
بتقديم الرئيس ترامب نفسه بوصفه مختارًا ومدعومًا إلهيًا في خطابه السياسي، واستخدامه وكبار مرؤسيه رمزية الإنجيل والدين في مواقف عامة سياسية وحربية.
4- التشبيه بالمسيح
كما صرَّحت مستشارته الدينية باولا وايت بوجود أوجه تشابه بينه وبين المسيح، معتبرة أنه يتعرض للاضطهاد ويُستخدم من قِبَل الله.
وإزاء كل ذلك التوظيف الديني في السياسة الغربية ما كان من الخطاب التنويري إلا التزام صَمْت القبور أو التبرير الفج، الذي يُقْبَر فيه الروح النقدي وتموت فيه مفردات نقد التدين الإسلامي ورجمه بقوارع ثلاثية: (الرجعية والسلطوية، التطرف والخطر الوجودي، تهديد الدولة المدنية).
ثانيا: المشهد الثاني تهديد حرية الرأي والاعتقاد.
إذا كانت حرية الاعتقاد وما يتعلق بها من حرية الرأي والتعبير هي أبرز قيم التسامح والتنويرالتي دافع عنها الفيلسوف فولتير حسب عبارة الكاتبة البريطانية إيفيلين بياتريس هول في كتابها: أصدقاء فولتير، قد أختلف معك في الرأي لكني مستعد للموت دفاعًا عن حقك في إبدائه.
وذلك ما لم يحدث إزاء ممثل الكنيسة الوطنية المصرية القس إكرام لمعي عندما أعلن في موعظة له عن مواقف دينية يعتنقها مثل:
- رفض بعض التصورات الصهيونية المرتبطة بهدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل مكانه.
- تصويب مفاهيم لاهوتية كـشعب الله المختار الذي يرى أنه شعب الكنيسة وليس اليهود.
لكن هذه المواقف لم تتحول إلى قضية حرية رأي واعتقاد في الخطاب التنويري، وبالتالي لم يتم الدفاع عنها بنفس الحماسة التي يُدافع بها عن حرية التعبير حين تتعلق بنقد الإسلام، بل تم السكوت والقعود عن الرد على الأصوات الصهيونية التي انطلقت في مهاجمة القس إكرام لمعي، وموقف الكنيسة الوطنية المصرية، فيما يبدو وكأنه تنفيذ لأجندة أجنبية خارجية.
مما يجعل الأمر في التحليل النهائي عبارة عن تسلط الخلفية النفسية والثقافية لبعض التنويريين على تشكيل وعيهم في خضم صراعهم المباشر مع تيارات الإسلام السياسي، بما يجعل صيرورة النقد موجَّهة نحو الجغرافيا وليس الفكرة، ويجعل الفكر أسير الخلط بين النقد والإقصاء، بل وتحوُّل
النقد المشروع إلى رفض مطلق للتدين بطريقة انتقائية تهدد الهوية وترتبط بالأجندات السياسية الخارجية بمعزل عن بناء مشروع نقدي متوازن.
وذلك في تحدي واضح لسياسة الدولة المصرية في الحياد تجاه الأديان، وليس إقصاء الدين من المجتمع، بل احترام كامل للتعددية، وقبول حضور الدين في المجال العام ضمن ضوابط، وليس إلغاءه أو شيطنته.
وتلك هي الأزمة الحقيقية في الخطاب التنويري إلى جانب ازدواجية المعايير، وفقدان الاتساق المنهجي، وغياب الموضعية والعدالة في الأحكام.
