رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (6).. هرمجدون من الرمزية الدينية إلى الإيديولوجيا السياسية

18 حجم الخط

معركة هرمجدون مثال صارخ لتحول الرمز الديني المحدود بنص تاريخي إلى مفهوم عقائدي سياسي واسع عبر القرون. إذ تُعَدُّ إشكالية معركة هرمجدون من أشهر المفاهيم المرتبطة بنهاية العالم في الفكر الديني الغربي خاصة في إطار بعض التفسيرات المسيحية البروتستانتية لأسفار العهد الجديد.. فقد تحوّل هذا المصطلح عبر القرون من مفهوم كتابيِّ محدود الإشارة إلى تصور لاهوتي واسع حول الحرب النهائية بين الخير والشر.

 

ولمَّا كانت الأجواء العدوانية الوحشية التي يفرضها التحالف الصهيوأمريكي والتي يعيشها العالم اليوم مُصطليًا بنيرانها قد استدعت المصطلح بقوة، في إطار التوظيف السياسي الانتهازي للمفاهيم الدينية بغرض الحشد الجماهيري، والتسويق الدعائي السياسي لتمرير الحروب وتسويغ العدوان، فقد استلزم الأمر ضرورة الوقوف على أبعاد هذا التوظيف السياسي المعاصر لرمزية معركة هرمجدون.. 

سعيا إلى بيان الحقائق التاريخية والمراحل التطورية لنقل المصطلح من الرمز إلى الإيديولوجيا عُنْوة وفي اتجاه معاكس للجغرافيا الطبوغرافية والمواقف اللاهوتية، وذلك في محورين:

الأول: هرمجدون في الحقيقة الدينية والحقائق الجيوتاريخية.

تكاد معركة هرمجدون المفروضة على جدول أعمال البشرية السياسي والديني اليوم تكون عنوانا على التناقض الصادم مع اليقينيات سواء في ثوبها الديني أو التاريخاني أو الجغرافي:

1- الحقيقة الدينية في اليهودية: لا تسمح بوجود ما يُسمى معركة هرمجدون وذلك لسببين:
أولهما: لم يرد ذكر معركة هرمجدون في أيٍّ من الكتابات الدينية اليهودية المقدسة؛ سواء التوراة أم الأسفار بالعهد القديم، أم المشناة أم الجمارا بالتلمود البابلي أو الفلسطيني، أم كتاب الصلوات، أم حِكَم الآباء، أم التكملة وهي المجموع الموازي للمشناة، أم كتابات الجاؤونيين.

 

ثانيهما: النص الوحيد الذي وردت به إشارة إلى صراع أو معركة مقرونا بلفظ هرمجدون جاء بسفر الرؤيا ( 16 /16) بالعهد الجديد الكتاب المقدس لدى المسيحية وليس لدى اليهودية؛ لأن اليهودية تنكر الوحي المسيحي من الأساس، وتكذِّب المسيح عيسى ابن مريم، وتعتقد أنه ساحر، بل تكذِّب مولده الإعجازي دون أب، وإنما تعتقد أنه ابن زنا أتت به أمُه من العسكري الروماني بنديرا.

 

2- الحقيقة الدينية في المسيحية: لا تسمح الحقيقة الدينية في المسيحية بأي يقين اعتقادي إزاء ما يسمى بمعركة هرمجدون، وذلك لثلاثة أسباب:
أولها: يعود إلى طبيعة السِفْر الذي تضمن الإشارة إلى حرب بهرمجدون العبرانية، وهو سفر الرؤيا الذي تنص الرهبانية اليسوعية في تقديمها للسفر في نسخة العهد الجديد التي قامت على طباعتها بإذن من النائب الرسولي للاتين بولس باسيم ونشرتها دار المشرق ببيروت عام 1989م.. 

تنص على أن هذا السفر يتميز بأنه نوع من الفن الأدبي الرؤيوي يقوم على استعمال الرموز وانتحال الأسماء، ويحاول تفسير التاريخ مرتبطا بسيادة الله وحده في التدبير والتنفيذ دون ارتباط بالإرادات أو التفاعلات البشرية.

وبالتالي قد خلا النص من أية محددات لطبيعة الحرب الهرمجدونية أو تفصيلاتها أو عناصرها المتحاربة أو كيفياتها.

ثانيها: خُلُو المقررات الكنسية بالكنائس المسكونية المسيحية ومجامعها المقدسة من أية صكوك أو بيانات أو مراسيم بابوية أو إعلانات سينودسية، أو توجيهات لاهوتية بشأن هذه الحرب المزعومة.

ثالثها: الإجماع اللاهوتي على التفسير الرمزي لنص سفر الرؤيا:

* ففي المسيحية المبكرة كان تفسير سفر الرؤيا رمزيًا عند آباء الكنيسة الأوائل.
 * لدى علماء اللاهوت هي رمز روحي وليس معركة حقيقية، وإنما صراع إيماني بين الحق والباطل وليس حربا عسكرية 
* لدى الكنائس المسكونية التاريخية الثلاثة:
 الكنيسة الكاثوليكية Catholic Church تميل إلى التفسير الرمزي، معتبرة سفر الرؤيا نصًا لاهوتيًا رمزيًا حول انتصار الله في النهاية.
 الكنائس الأرثوذكسية Eastern Orthodox Church تفسر النصوص الأخروية تفسيرًا روحيًا، ولا يوجد في تفسيراتها أية مكانة لفكرة الحرب العسكرية العالمية.
 الكنائس البروتستانتية Protestantism التاريخية تتبنى الرمزية والتفسير اللاهوتي لنص سفر الرؤيا.

* الحقيقية الجيوتاريخية: تَأْبَى الحقيقة الجيوتاريخية وقوع معركة  كونية عالمية في المكان الوارد في نص سفر الرؤيا 16 /16: ( فجمعهم في المكان الذي يقال له بالعبرية هَرمَجِدُّون ). وذلك لأن هرمجدون في العبرية تعني ( جبل مَجِدُّو ) ولايوجد في طبوغرافيا فلسطين جبل بهذا الاسم لا قديما ولا حديثًا.
 

أما ما يوجد في الطبوغرافية التاريخية والجغرافية لفلسطين فهو مدينة مَجِدُّ في سفح الكرمل حيث دارت معارك عديدة أبرزها معركة ملك مصر تحتمس الثالث عام 1457 ق. م لإخضاع المدينة والقضاء على التمرد الآسيوي على الحُكم المصري لها. ولم يتبق من آثارها سوى تل مَجِدُّو الواقع على مسافة 30 كيلو متر جنوب شرق حيفا ومساحته 385 مترا × 230 مترا.

وبالتالي يستحيل وقوع معركة عالمية في هذا المكان سواء أكان تلَّا أم سهلا لأنه لا يكاد يستوعب صدامًا بين مدرعتين من الدبابات الحديثة التي يبلغ مدى تأثير قوة النيران في المدفع 105 مم الرئيس بها حوالي 1800م - 2000م.

المحور الثاني: التوظيف السياسي المعاصر لرمزية هرمجدون

يُعد ما يُعرف اليوم بـ الصهيونية المسيحية أحد أهم التيارات الدينية السياسية في العصر الحديث، تلك التي تجمع بين التفسير الإنجيلي الحرفي للنصوص التوراتية والإنجيلية وبين الدعم السياسي لقيام دولة إسرائيل.

وقد نشأ هذا التيار نتيجة الزواج غير المقدَّس بين الصهيونية السياسية وبين المذهب البروتستانتي ذي الميول والمؤثرات اليهودية منذ نشأته على يد مارتن لوثر الذي دعا إلى التلطف مع اليهود ومعاملتهم معاملة حسنة، ثم قام عمليًا بتبنِّي قانون العهد القديم ونصوصه كما يؤمن بها اليهود مخالفًا بذلك الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية اللتين تبنَّتا قانونا للعهد القديم يختلف مع هذا القانون.

فقد حدثت تحولات لاهوتية داخل البروتستانتية تطورت تدريجيًا منذ القرن السابع عشر حتى أصبحت في العصر الحديث أحد العوامل المؤثرة في السياسة الغربية تجاه الشرق الأوسط..


1- في القرن السابع عشر ظهرت في إنجلترا حركة لاهوتية تُعرف باسم الاستعادة اليهودية (Restorationism )، وهي فكرة تقوم على أن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لعودة المسيح في آخر الزمان. وقد انتشرت هذه الفكرة بين بعض رجال الدين البروتستانت في إنجلترا الذين كانوا يفسرون نبوءات الكتاب المقدس تفسيرًا حرفيًا.


ومن أبرز الشخصيات السياسية التي ارتبطت بهذه المرحلة أوليفر كرومويل الذي حكم إنجلترا بعد الحرب الأهلية، وقد سمح سنة 1656 م بعودة اليهود إلى إنجلترا بعد قرون من طردهم، وكان بعض أنصاره يرون أن تجمّع اليهود وعودتهم إلى التاريخ السياسي يمهد لعودتهم إلى أرض فلسطين.

 

2- في القرن التاسع عشر حدث تحول كبير في الفكر الإنجيلي البروتستانتي أدى إلى بلورة الصهيونية المسيحية في شكلها الحديث بواسطة حركتين لاهوتيتين:

أولاهما: الحركة الألفية أحد أهم التيارات المؤثرة داخل البروتستانتية الحديثة، حيث تجاوزت كونها فكرة لاهوتية تقوم على الإيمان بعودة المسيح عيسى ليحكم العالم مدة ألف سنة قبل اليوم الآخِر لتصبح قوة فكرية وسياسية مؤثرة عالميًا تُسْهم في تشكيل رؤية خاصة للعالم والتاريخ، تقوم على انتظار نهاية كونية كبرى.. 

مما جعلها عاملًا مهمًا في فهم كثير من السياسات والمواقف الدولية. وقد تطورت الحركة الألفية في العصر الحديث بإنجلترا وأمريكا عندما انتشرت بين البيوريتان (Puritans) الذين هاجروا إلى أمريكا.

الثانية: اللاهوت التدبيري الذي كان رجل الدين الإنجليزي جون نيلسون داربي من أبرز منظري ما يسمى باللاهوت التدبيري الذي يرى أن التاريخ الإلهي ينقسم إلى مراحل (تدابير)، وأن المرحلة الأخيرة منه تتضمن عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل قبل وقوع أحداث نهاية الزمان.

 

وقد انتشرت هذه الأفكار في الكنائس الإنجيلية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد تبنَّت هذه الحركة التفسير الحَرْفي للنصوص التوراتية خصوصًا النبوءات المتعلقة بعودة بني إسرائيل إلى أرض الميعاد.

وعند هذه النقطة بدأ التحول اللاهوتي من فكرة أن الكنيسة هي (إسرائيل الجديدة) إلى الاعتقاد بأن لليهود دورًا مستقبليًا في التاريخ الإلهي.. ذلك الاعتقاد الذي تلقفته الصهيونية السياسية وجعلته من خلال نفوذها وأذرعها الإعلامية والاقتصادية والعلمية والسياسية واقعًا سياسيًا دينيًا من خلال التوظيف السياسي لرمزية هرمجدون التاريخية.

وقد نجحت في تكريس ذلك الواقع من خلال خطوتين نافذتين:
أولاهما: إصدار إنجلترا وعد بلفور بإقامة وطن قومي بفلسطين ذلك الوعد الذي تمَّ بواسطة آرثر جيمس بلفور الأنجيليكاني البروتستانتي بالتعاون مع حاييم وايزمان أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية 
في إقناع بلفور والحكومة البريطانية بدعم المشروع الصهيوني الذي سيقوم على خدمة المصالح البريطانية في الشرق الأوسط وتقوية النفوذ البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى.

ثانيهما: تأسيس المنظمات والجمعيات والمؤسسات المسيحية المؤيدة لإسرائيل والداعمة لها سياسيا وإعلاميا واقتصاديا ولاهوتيا، مثل:
١.اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC).
٢.السفارة المسيحية الدولية في القدس.
٣.اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC).
٤.مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل.
٥.شبكة البث المسيحي (CBN

والتي تحتل لديها جميعها فكرة معركة هرمجدون مكانة مركزية في تفسير أحداث نهاية العالم على أنها صراع عالمي يقع في فلسطين بين قوى الخير والشر قبل عودة المسيح، مما جعل من دعم إسرائيل بوصفها محور الأحداث الأخيرة عملا مقدسا، تلك السياسات التي عززت من سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على القدس وفلسطين.

الجريدة الرسمية
عاجل