أحوال الصحفيين التي لا تخفى!
ما كتبته الصحفية نادية سلامة الأسيوطي ليس مجرد صرخة شخصية، بل شهادة موجعة على ما آلت إليه أحوال قطاع واسع من الجماعة الصحفية، بعدما أصبح كثير من الصحفيين يعيشون بين ضغوط المهنة وقسوة الحياة، يحملون هموم الناس في صفحات الجرائد والمنصات، بينما يعجزون أحيانًا عن حمل هموم بيوتهم وأسرهم.
لقد لخّصت الكاتبة أزمة حقيقية تتجاوز ضعف الرواتب إلى خلل أعمق في بنية العمل الصحفي ذاته؛ حيث غابت الحماية المهنية، وتراجع الأمان الوظيفي، وتحول بعض الصحفيين داخل المؤسسات الخاصة والحزبية إلى مجرد أدوات استهلاك يومي، تُستنزف طاقتهم وأعمارهم ثم يُتركون لمواجهة المصير وحدهم.
وهي بذلك تفتح ملفًا شديد الحساسية يتعلق بكرامة الصحفي، لا باعتباره موظفًا فقط، بل باعتباره أحد حراس الوعي العام وصنّاع الرأي.
والحقيقة إن النهوض بالجماعة الصحفية لن يتحقق بالشعارات، وإنما عبر خطوات عملية وجادة، تبدأ بوضع حد أدنى عادل للأجور يضمن حياة كريمة للصحفي وأسرته، مع إلزام المؤسسات بعقود قانونية واضحة، وتأمينات صحية واجتماعية حقيقية، وصناديق دعم للطوارئ والعلاج والمعاشات.
كما أن تطوير المؤسسات الصحفية اقتصاديًا واستثماريًا بات ضرورة، حتى تستطيع الوفاء برسالتها المهنية والإنسانية معًا.
ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة الاعتبار للتدريب المهني والتأهيل الرقمي، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتوفير بيئة عمل تحفظ للصحفي احترامه النفسي والمهني، بعيدًا عن الاستنزاف والإقصاء.
فالصحافة لا يمكن أن تستعيد عافيتها إذا ظل الصحفي نفسه مهددًا في لقمة عيشه وأمنه الاجتماعي.
إن حماية الصحفي ليست دفاعًا عن فئة مهنية بعينها، بل دفاع عن المجتمع كله؛ لأن الكلمة الحرة الواعية لا تزدهر في بيئة الخوف والعوز، ولأن الصحافة التي تُرهق أصحابها حتى الانكسار، تفقد تدريجيًا قدرتها على أداء رسالتها في حماية الوعي العام وصيانة الحقيقة.
وتظل الصحف القومية، رغم كل التحديات، واحدة من أهم ركائز الوعي الوطني وحفظ الذاكرة المصرية، بما تملكه من تاريخ مهني عريق وكوادر وخبرات تراكمت عبر عقود طويلة.
غير أن الحفاظ على هذا الدور الحيوي يقتضي مشروعًا حقيقيًا للنهوض بها، يبدأ بالاهتمام بالعاملين فيها ماديًا ومهنيًا، وتطوير بيئة العمل، وفتح الأبواب أمام ضخ دماء جديدة من شباب الصحفيين والإعلاميين القادرين على التعامل مع أدوات العصر الرقمي ولغة الأجيال الجديدة..
وهو ما نثق تماما أن المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة ماض فيه بقوة وقادر على إتمامه بما عرف عنه من إصرار وإخلاص ورغبة صادقة في تطوير الصحف القومية.
فالصحافة اليوم لم تعد مجرد صفحات مطبوعة، بل معركة وعي ومنافسة محتدمة في عالم الميديا المفتوح، ولن تستطيع المؤسسات القومية الاستمرار في هذه المنافسة إلا بالتحديث والتدريب والاستثمار في العنصر البشري.
كما أن الإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات أصبح ضرورة وطنية ومهنية، لأنه يمنح الصحفي القدرة على الوصول إلى المعلومة الدقيقة من مصادرها الرسمية، ويغلق الأبواب أمام الشائعات وحروب التضليل التي تزدهر دائمًا في غياب الشفافية وتدفق المعلومات الموثوقة.
والسؤال المهم. ماذا فعل مجلس نقابة الصحفيين الذي يتكلم أكثر مما يفعل. ولم يقدم ميزة واحدة للصحفيين تساعد في تحسين أحوالهم. ونصيحتي لأعضاء المجلس الحالي آلا يفكروا في ترشيح أنفسهم في الانتخابات المقبلة.
