رئيس التحرير
عصام كامل

عائشة عبدالهادي.. وزيرة سياسية برؤية نقابية عمالية!

18 حجم الخط

في حياتنا السياسية زحام لا تحصيه الذاكرة؛ فثمة أسماء كثيرة عبرت المشهد العام مرورًا عابرًا، لكن بعض النماذج تظل قادرة على أن تترك أثرًا يتجاوز المناصب إلى المعنى ذاته، ومن بين تلك النماذج تبرز عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة والهجرة الأسبق بوصفها تجسيدًا حيًا لفكرة الصعود من القاعدة إلى القمة، لا بوصفه انتقالًا وظيفيًا فحسب، بل رحلة وعيٍ وتجربةٍ وصقلٍ طويل. 

 

لم تأتِ من أبواب النخبة الأكاديمية، لكنها صنعت لنفسها مقامًا في وجدان العمل العام عبر ثقافةٍ تشكلت من الاحتكاك المباشر بالحياة تفوق قدرة كثير من الحاصلين على الدكتوراة، ومن انغماسٍ عميق في قضايا العمال وهمومهم. 


عائشة عبد الهادي بدأت عاملةً في شركة أدوية، حيث تعرفت عن قرب على تفاصيل المعاناة اليومية، ثم شقت طريقها داخل العمل النقابي حتى بلغت أرقي مناصبه؛ نائبًا لرئيس اتحاد عمال مصر، قبل أن تتوج هذه المسيرة بتوليها وزارة القوى العاملة والهجرة بين عامي 2006 و2011، وهي مرحلة شهدت حضورًا واضحًا لدورها في الدفاع عن حقوق العمال وصياغة توازنات دقيقة بين أطراف العمل، لتقدم نموذجًا نادرًا لامرأة مصرية جمعت بين الكفاح والقدرة على الفعل.


ومن هذه المسيرة تتجلى فكرة أوسع تتجاوز الشخص إلى طبيعة المنصب ذاته: فكرة الوزير السياسي. فليس الوزير، في جوهر التجربة الحديثة، مجرد خبير تقني أو متخصص ضيق الأفق، بل هو عقلٌ قادر على استيعاب التعقيد، وقلبٌ يتسع لمصالح متباينة، ورؤيةٌ توازن بين الممكن والمأمول.

 

في النماذج الغربية، لا يُشترط أن يكون وزير الصحة طبيبًا، ولا وزير الدفاع عسكريًا، لأن المعيار الأهم هو القدرة على إدارة الملف سياسيًا، أي فهم السياق العام، والتوفيق بين الأطراف، وصياغة القرار في إطار يخدم المجتمع ككل. وعلى هذا النحو، يبرز الفارق بين من يتعامل مع الوزارة بوصفها وظيفة تنفيذية، ومن يدرك أنها موقع سياسي يتطلب حسًا مرهفًا وإدراكًا عميقًا لطبيعة الدولة والمجتمع. 

 

التجربة التي قدمتها عائشة عبد الهادي تنتمي بوضوح إلى هذا التصور؛ إذ لم تكن مجرد مديرة لملف العمال، بل وسيطًا بين الدولة والطبقة العاملة، وقناةً لنقل هموم الشارع إلى دوائر القرار.


وهنا تتضح القيمة الحقيقية للحس السياسي، لا باعتباره مهارة خطابية أو قدرة على المناورة، بل كطاقة إنسانية تُترجم إلى قرارات أقل قسوة وأكثر عدلًا. فالمسؤول الذي يمتلك هذا الحس لا ينظر إلى الأرقام مجردة، بل يراها وجوهًا وحكاياتٍ ومعاناة، فيسعى إلى تخفيف الأعباء بقدر ما تسمح به الظروف، ويجتهد في أن يجعل من السياسات العامة أداة لاحتواء الأزمات لا تعميقها. 

 

إن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة جامدة، بل فن الإصغاء والتقدير، وفن التوازن بين الضرورة والرحمة. ومن ثم، فإن الوزير الذي يعي هذه الحقيقة يصبح أقرب إلى الناس، لا بالوعود، بل بقرارات تشعرهم بأن هناك من يرى ويقدّر ويحسب حسابهم.


عائشة عبدالهادي وطنية محبة لمصر تعاملت معها عن قرب أيام رئاستي لمجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر(الجمهورية) وشرفت بزياراتها المتكررة للمؤسسة وتمنيت أن أرى وزراء على شاكلتها؛ فالكفاءة وحدها لا تكفي لمنصب الوزير إن لم تكن معها رؤية ودراية وخبرة وحس سياسي؛ فالوزير منصب سياسي بالأساس وليس مجرد إدارة لمؤسسات الدولة.


هكذا تبدو تجربة عائشة عبد الهادي ومضةً مضيئة في سياق أوسع، تذكرنا بأن المناصب لا تصنع القيمة بقدر ما تكشف عنها، وأن الحس السياسي حين يقترن بالتجربة الصادقة يمكن أن يحول الوظيفة العامة إلى مساحة إنصافٍ للناس، لا مجرد موقع سلطة.


تحية للوزير النقابية عائشة عبدالهادي في ذكرى عيد العمال الذي نحتفل به هذه الأيام..تقديرًا لعطائها النقابي والسياسي خدمة للعمال وقضاياهم.. نتمنى أن نرى أكثر من "عائشة عبدالهادي" في كل المجالات وعلى جميع الأصعدة.

الجريدة الرسمية