عفوًا.. التاريخ لا يحترم الضعفاء!
أعادت المواجهة مع إيران طرح أسئلة قديمة تتجدد كلما اندلعت الحروب: لماذا تصمد بعض الدول تحت الضغط، بينما تنهار أخرى قبل أن تبدأ المعركة؟ كيف انهارت الخلافة الإسلامية في بغداد تحت سنابك جحافل التتار الهمج أعداء الحضارة؟ ولماذا تستطيع دولة تعيش تحت العقوبات والحصار والتهديد المستمر أن تفرض نفسها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله، في حين تملك دول أخرى ثروات أكبر وإمكانات أوسع لكنها تبقى أقل تأثيرًا؟
الإجابة لا تكمن في الشعارات وحدها، ولا في الخطابات الحماسية، بل في عناصر القوة الحقيقية التي تُبنى عبر عقود طويلة.. سر صمود إيران لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متكاملة بدأت منذ سنوات طويلة، قوامها الاعتماد النسبي على الذات، وبناء قاعدة صناعية وعسكرية محلية، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وإدارة الصراع بعقلية النفس الطويل.
فالعقوبات التي فُرضت عليها منذ عقود دفعتها، قسرًا أو اختيارًا، إلى تطوير صناعاتها الدفاعية، وتوسيع قدراتها التقنية، وبناء شبكات إنتاج محلية في مجالات حساسة. كما أن امتلاك رؤية استراتيجية واضحة تجاه الأمن القومي جعلها تتعامل مع التهديدات باعتبارها معركة بقاء لا أزمة عابرة.
هناك أيضًا عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو الإرادة السياسية المستقلة. فالدولة التي تمتلك قرارها تستطيع أن تتحمل كلفة المواقف، وأن تخوض معاركها وفق حساباتها الوطنية، لا وفق ما يُملى عليها من الخارج. وقد تختلف الآراء حول سياسات إيران الداخلية أو الإقليمية، لكن كثيرين يرون أن قدرتها على اتخاذ قرارها السيادي ومواصلة مشروعها رغم الضغوط كانت أحد أهم أسباب بقائها لاعبًا صلبًا في المنطقة.
أما ما ينقص العالم العربي، فليس نقص المال أو البشر أو الموقع الجغرافي، بل غياب المشروع. العالم العربي يمتلك ثروات طاقة هائلة، وممرات بحرية استراتيجية، وسوقًا بشرية ضخمة، وطاقات شبابية واسعة، لكنه يفتقد في كثير من الحالات إلى التكامل الحقيقي، وإلى تحويل الثروة الريعية إلى قوة إنتاجية مستدامة. فالدولة التي تعتمد على الاستيراد في غذائها ودوائها وسلاحها تظل رهينة الخارج مهما امتلكت من الأموال.
وينقص العرب كذلك الاستثمار الجاد في الإنسان. فلا نهضة من دون تعليم حديث، ولا قوة من دون جامعة منتجة للمعرفة، ولا استقلال من دون باحث ومهندس وعامل ماهر. التجارب الناجحة في العالم أثبتت أن القوة تبدأ من المدرسة والمصنع والمختبر قبل أن تصل إلى الميدان العسكري. كما أن غياب الحوكمة الرشيدة، وضعف المؤسسات، وتقديم الولاءات الضيقة على الكفاءة، كلها عوامل تستنزف أي أمة وتبدد مواردها.
كذلك فإن الانقسام العربي المزمن أحد أكبر أسباب الضعف. فالتجزئة السياسية والصراعات البينية فتحت الأبواب لتدخلات خارجية واسعة، وجعلت كل دولة تواجه تحدياتها منفردة. ولو وُجد حد أدنى من التنسيق الاقتصادي والعلمي والدفاعي، لتحولت المنطقة إلى كتلة ذات وزن عالمي يصعب تجاوزها.
سر الشموخ الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك الصواريخ أو الجيوش، بل في امتلاك الإرادة والمؤسسات والمعرفة والاقتصاد المنتج. والدول التي تريد الاحترام لا تطلبه، بل تصنع أسبابه. وإذا أراد العرب أن يصبحوا أصحاب منعة وشوكة، فعليهم أن يبدأوا من حيث بدأت الأمم الناهضة: بناء الإنسان، تحرير القرار، توطين الصناعة، تحقيق العدالة، وتغليب المصلحة القومية على الخلافات الصغيرة.
التاريخ لا يحترم الضعفاء، لكنه أيضًا لا يحترم من يكتفي بالبكاء على ضعفه. ومنطقتنا لا ينقصها شيء بقدر ما ينقصها قرار النهوض، فإذا وُجد القرار، وُجد الطريق.

