رئيس التحرير
عصام كامل

عبدالقادر القط.. ومفاجأة البدايات!

18 حجم الخط

من الأيام التي لا يمكن نسيانها في حياتى العملية، بداية النشاط الثقافي في مركز رامتان طه حسين الثقافي، الذي أعتز وأفخر بأنني المؤسس لهذا المركز المهم والذي استطاع أن يكون أهم منارة ثقافية في مصر، وأعادت الأضواء على عميد الأدب العربى بعد سنوات من الإهمال من الجميع، حتى جاء تحويل بيته إلى متحف وإقامة مركز ثقافي والذى شرفت بأن أكون أول مدير له.. 

 

هنا لابد أن أشير إلى أن السابع من سبتمبر 1997 هو البداية والشرارة لنشاط غير مسبوق. كانت الندوة الأولى في 7 سبتمبر1997، اخترت ثلاثة أسماء من ثلاثة أجيال مختلفة، الاستاذ والناقد الكبير الدكتورعبدالقادر القط، الناقد الكبيرالدكتور جابر عصفور، الكاتب الصحفي بالأهرام الناقد الدكتور مصطفي عبد الغنى، الذى كانت رسالة الدكتوراه الخاصة به عن عميد الأدب العربي.. 

وأيضا اقترحت على الإذاعية القديرة سلوان محمود أن تلقي قصيدة "موسيقا على اللغة" المهدأة إلى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من والدها الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، وقد رحبت على الفور.


من الطبيعى حاولنا الاستعداد في إطار امكانياتنا المحدودة، تواصلنا مع الاعلام (صحافة- تليفزيون- إذاعة)  ونحن في قمة سعادتنا بافتتاح النشاط لأول مرة، وفي ظهر يوم السبت وقبل 24 ساعة من البدء -كان لايزال يوم عمل- كان على التليفون الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ودار بيننا الحوار التالي:

 
الدكتور جابر: معلش يا محمد، والله السكرتارية عندى لخبطوا الدنيا، وبكرة عندى ندوتين في وقت واحد!
قلت: مستحيل يا دكتور، إحنا مأكدين مع حضرتك ومع المكتب!
الدكتور جابر: معلش، أجل الندوة للأسبوع الجاي يا سيدى!
قلت: يا دكتور البرنامج لمدة شهرين ونصف ومعلن عنه. مستحيل التأجيل!
 

الدكتور جابر: هو إيه المستحيل؟ خلاص البركة في الدكتور القط.. مش لازم أنا يا سيدى!
قلت: حضرتك عارف أهمية وجودك في هذا اللقاء وخاصة هذا أول لقاء مع الجمهور! 
الدكتور جابر: آجي في موعد تاني في أي يوم علشان خاطر أستاذنا طه حسين، وعلشان أنت متزعلش. 


كان طبيعى أن أصاب بصدمة من إعتذارالدكتور جابرعصفور، لأسباب كثيرة منها إنها أول ندوة فكيف أعلن للإعلام أن المتحدثين ثلاثة ولا يأتى سوى اثنين، خاصة إنني أرى أن الدكتور جابر عصفورهو الأقرب والأفضل ليتحدث عن طه حسين، بل هو الأفضل حقيقة لا يمكن الجدال حولها. 


ولكن يبدو أن هذه لم تكن المفاجأة الوحيدة، ففي العاشرة من صباح الأحد إتصلت للمرة العاشرة للتأكيد على المتحدثين، ليس هناك مشكلة في الدكتور مصطفي عبدالغنى والاذاعية سلوان محمود، ولكن الدكتورعبدالقادر القط لا يرد، وبعد فترة جأنى صوت السيده حرمه التي قالت إن الدكتور القط بيعتذرلحضرتك لآن هناك أمر مهم مساء لن يستطيع أن يتجاهله..َ


قلت: وأين الدكتور القط ممكن اتحدث معاه؟
قالت: في مشوار.. ربما يعود على الغداء!
قلت: سأتصل بعد إذن حضرتك لإننى في مشكلة وحلها في يد الدكتور القط!
قالت: اتصل على الساعة اتنين ونصف!
 

في هذه الفترة (1997) كانت التليفونات المحمولة نادرة.. بل أزعم أن الدكتور عبد القادر القط رفض بعد ذلك استخدامها، المهم هنا كانت عقارب الساعة تدق في رأسي، كررت الاتصال عدة مرات من منطلق ربما يأتى مبكرا، وكانت السيده حرمه ترد مضطرة، وأخير تواصلت مع الدكتور القط، وهالنى ماسمعته!


قال: لن استطيع الحضور نظرا لظروف خاصة!
قلت: الدكتور جابرعصفور لن يحضر واعتذر!
قال: خلاص أجل الندوة لما جابر يحضر أكون معاه إن شاء الله!
 

وبعد أن شرحت كل الأسباب التي تجعلنا لا نؤجل الندوة، وأن التأجيل الآن لا يمكن في ظل ابلاغ الإعلام، وإنها أول ندوة في تاريخ مركز رامتان طه حسين،....و....و....الخ 
قال: مشواركم بعيد في الهرم وأنا رجل كبير؟
قلت (بلا تردد): سأرسل لحضرتك من يأخذك من المنزل!


الحقيقة لم يكن لدى سيارة خاصة أو حتى سيارة مخصصة من الوزارة، ولكن اقتراحى كان رد فعل للموقف الصعب الذى وجدت نفسى فيه، وفعلا أرسلت زميل بتاكسى إلى منزل الدكتورعبد القادرالقط ليحضره لإنقاذ الندوة من الالغاء، والأهم إنها أول ندوة في تاريخ مركز رامتان طه حسين الثقافي، وبالتالى ندوة تاريخية.

 
وجاء الدكتور القط وجلسنا نحتفي به وكان معنا الدكتور مصطفي عبدالغنى، والإعلامية سلوان محمود حسن، وكانت لحظات لا تنسى، أولها أن روى لنا أول قصة حب وهو لايزال شابا عمره لا يتجاوز 18سنة وكان يسكن المنيل، وأخرج من جيبه أوراق كانت مفاجأة لنا، إنها قصيدة عشق في حبيبته كتبها واحتفظ بها كلما خرج واعتبرها وكأنها تميمة حياة له.. 

 

وقرأها وكانت مليئة بالصورة الرقيقة والمشاعر والأحاسيس، وكانت ملامح وجه الدكتور القط تتغير وكأنه عاد إلى عمر 18سنة، وحاولنا أن نحصل على نسخة ولكنه آبى ورفض، وحاولت السيدة سلوان محمود ولكن فشل الجميع في استمالته.
 

وأذكر ليلتها أن قال اقتراحا إنه يؤيد أن يتحرك الرئيس والوزراء بطائرات حتى داخل القاهرة، والحكمة من هذا هو إننا نترك لهم السماء، ويتركون لنا الأرض نمشى في شوارعها، ولكى تكتمل جمال هذه اللحظات، روى مفاجأه، في أيام شبابه في الاربعينيات كان يصادق عدد من لاعبي الكرة السودانيين، الذين يلعبون في نادى الترسانة، وإنه كان دائم مشاهدة تدريبات الترسانة ويحضر كل المباريات التي تقام على ملعبهم، وقال: إن حبه لكرة القدم والترسانة يسبق صداقته للاخوة السوانيين الذين تصادف أن يكونوا جيرانه في المنيل.

 
ونحن في الطريق إلى قاعة مركز رامتان الثقافي وكان الدكتور القط يمسك بيدى. همست في اذنه: خير يا دكتور يا رب يكون الأمر العاجل الذى هدد حضور حضرتك قد مر على خير؟! فقال: بصراحة.. كنت عايز أشوف ماتش مصر في بطولة العالم للناشئين.. هو إنت مش هنا ولا إيه؟ فيه بطولة العالم للناشئين مصر بتنظمها وكان نفسي اشوف ماتش النهاردة!

كتمت ضحكتى وانفاسى. لانه بسبب مباراة لشباب تحت 18 سنة كان الدكتور عبدالقادر القط سيتغيب عن الندوة، وتفسد أول ندوة في تاريخ مركز رامتان الثقافي، لا أتخيل لو إننا قلنا للجمهور إن الدكتور عبدالقادر القط بيشجع كرة القدم ولم يحضر من أجل مباراة.. بالطبع لن يصدقنا أحد.

وتمت الندوة وكانت بداية رائعة تألق فيها الدكتور عبدالقادر القط والدكتور مصطفي عبدالغنى، وتجلت سلوان محمود بشعر الشاعر الكبير محمود حسن اسماعيل... وانطلق سهم النجاح لأعظم تجربة ثقافية في الحياة الثقافية المصرية. وللحديث بقية.

الجريدة الرسمية