خناقة على جلد محترق
الجدل الذي فجرته تصريحات النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، حول تفعيل التبرع بالجلد والأنسجة بعد الوفاة، قد يصبح مجرد عاصفة عابرة في فضاء الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حاليا.. لكنه كشف عن طبقات عميقة من أزمة صامتة ظلت لسنوات بعيدة عن الضوء..
أزمة تتجاوز الإجراء الطبي والمقترح التشريعي لتمس سؤالا وجوديا حول قيمة الجسد الإنساني بعد الموت، وحدود العلم ودور الدولة في حماية أكثر فئاتها هشاشة.
جاء مقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية بوصفه استجابة مباشرة لواقع صحي ضاغط، لا يحتمل التأجيل ولا التجميل. ففي مصر، كما في كثير من دول العالم العربي، يواجه مرضى الحروق معضلة حقيقية تتمثل في ندرة الجلد اللازم لتغطية المساحات المصابة، وهو عنصر حاسم في إنقاذ الحياة قبل أن يكون خطوة تجميلية أو تأهيلية.
وتكفي الإشارة إلى أن تكلفة استيراد الجلد البشري اللازم لعلاج حالة حروق واحدة قد تتجاوز المليون جنيه مصري، وهو رقم يتجاوز قدرة مؤسسات أهلية كبرى، فضلا عن النظام الصحي العام، في ظل أزمة اقتصادية ممتدة وشح مزمن في العملة الصعبة.
في هذا السياق، لم تطرح فكرة التبرع بالجلد باعتبارها فرضا أخلاقيا أو التزاما قسريا، بل كخيار إنساني طوعي، مشروط بإرادة واضحة وموثقة، تضمن الشفافية وتغلق الباب أمام أي توظيف تجاري أو استغلالي.
غير أن ردود الفعل الغاضبة كشفت أن المجتمع لم يهيأ بعد لاستيعاب هذا النوع من النقاش، وأن الفجوة بين النص القانوني والقبول الاجتماعي لا تزال واسعة، رغم مرور أكثر من عقد على صدور قانون تنظيم زراعة الأعضاء في مصر عام 2010، والذي ظل معطلا في شقه المتعلق بالتبرع بعد الوفاة.
الواقع االعلمي والطبي على النقيض من الجدل النظري لا يعرف التوقف، فمرضى الحروق يدخلون غرف العناية المركزة وهم في سباق مفتوح مع العدوى وفقدان السوائل والانهيار الوظيفي لأعضاء الجسد.
وتؤكد خبرات العاملين في هذا المجال، ومنهم هبة السويدي، مؤسسة مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، أن تكلفة رعاية مريض واحد قد تصل إلى ثلاثين ألف جنيه يوميا، وقد تستمر رحلة العلاج لأشهر طويلة، ما يجعل أي اعتماد دائم على الجلد المستورد خيارا غير قابل للاستدامة.
أمام هذا المأزق، فتح العلم نوافذ غير تقليدية للحل، قادمة من حيث لم يكن متوقعا.. فقد شهد العقد الأخير اهتماما متزايدا باستخدام جلد سمك البلطي النيلي كبديل مؤقت للجلد البشري في علاج الحروق، وهي تجربة انطلقت من البرازيل بعد أن أثبتت الدراسات أن البنية النسيجية لجلد هذا السمك تشبه إلى حد كبير الأدمة البشرية.
فالألياف الكولاجينية الكثيفة، وقدرته العالية على الاحتفاظ بالرطوبة، واحتواؤه على ببتيدات مضادة للميكروبات، جعلته ضمادة حيوية فعالة تقلل الألم وتحد من العدوى وتسرع الالتئام.
وأظهرت التجارب السريرية أن جلد البلطي، بعد تعقيمه بطرق كيميائية وإشعاعية دقيقة، يلتصق بالجروح بفاعلية، ويغني المرضى عن تغيير الضمادات اليومية المؤلمة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تحسن حالتهم النفسية والجسدية.
هذه النتائج تجاوزت أبواب المختبرات وانتقلت إلى غرف العمليات في دول أخرى، من بينها العراق، حيث سجلت حالات نجاح لافتة في علاج حروق واسعة دون الحاجة إلى خياطة أو تدخل جراحي متكرر.
غير أن التحدي إلى جانب كونه علميا فهو أيضا نفسيا وثقافيا.. فقبول المريض لفكرة وضع جلد سمك على جسده ظل عائقا حقيقيا، مهما بلغت الفاعلية الطبية. من هنا، جاءت إسهامات البحث العلمي المصري لتقدم حلا أكثر مواءمة للواقع الاجتماعي.
فقد طورت الباحثة المصرية الدكتورة ورود عادل مقاربة مختلفة تقوم على استخلاص البروتينات والفيتامينات النشطة من قشور السمك، ودمجها في ضمادات نانو-بوليمرية ذكية تحاكي البيئة الحيوية التي يوفرها الجلد الطبيعي، ولكن دون الصدمة النفسية المرتبطة باستخدام الجلد الخام.
هذه الضمادات، التي تعتمد على مسام نانومترية دقيقة، تسمح بتبادل الأكسجين مع الجرح وتمنع تسلل الميكروبات، ما يسرع عملية إعادة تكوين البشرة، ويقلل الحاجة إلى الإقامة الطويلة في المستشفى. والأهم أنها تفتح الباب أمام نموذج علاجي أقل كلفة وأكثر إنسانية، يتيح للمريض قدرا من الاستقلالية والاندماج الاجتماعي أثناء فترة الشفاء.
وفي المشهد الأوسع، تتوزع بدائل الجلد اليوم بين حلول حيوية مستمدة من الإنسان أو الحيوان، وحلول تخليقية مصنعة مخبريا، وتقنيات مستقبلية واعدة مثل الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد. ورغم ما حققته المنتجات التخليقية من تقدم ملحوظ في تقليل زمن الشفاء، فإن تكلفتها المرتفعة تظل عائقا أمام تعميمها في الدول النامية.
أما الطباعة الحيوية، فرغم كونها أفق الطب التجديدي الأبعد، فإنها ما تزال تصطدم بتحديات تقنية وتنظيمية معقدة، أبرزها صعوبة تكوين شبكة أوعية دموية وظيفية داخل الأنسجة المطبوعة.
ويبقى البعد الديني والأخلاقي حاضرا بقوة في هذا الملف، ليس بوصفه عائقا بالضرورة، بل كإطار ضابط للنقاش. فقد أكدت دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية أن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة يعد من أعمال البر والصدقة الجارية، متى تم بالإرادة الحرة ودون مقابل.
كما أن استخدام جلود الأسماك لا يثير أي إشكال شرعي، لكون السمك طاهرا بجميع أجزائه. وحتى في القضايا الأكثر حساسية، مثل استخدام جلود بعض الحيوانات غير المباحة، برزت اجتهادات فقهية تستند إلى قاعدة الضرورة والاستحالة، حيث تتحول المادة بعد المعالجة إلى كيان جديد مختلف في خصائصه وحكمه.
أزمة علاج الحروق في مصر لا يمكن اختزالها في مقترح واحد أو حل أحادي فهي تتطلب رؤية شاملة تدمج بين تفعيل التشريع، وتغيير الوعي المجتمعي، ودعم البحث العلمي التطبيقي، والاستثمار في موارد محلية متاحة مثل الثروة السمكية. فالانتقال من حالة الاضطرار إلى الاستيراد، إلى مرحلة الابتكار القائم على المعرفة والموارد الوطنية، ليس ترفا علميا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية.
في النهاية، الأمر يتجاوز حدود الجدل والنقاش على صفحات السوشيال ميديا.. إنه الحد الفاصل بين الحياة والموت لمريض حروق. وحين ينجح المجتمع في إعادة تعريف علاقته بالجسد والعلم والتبرع فإنه ينقذ المرضى كما يعيد صياغة مفهوم التضامن الإنساني في صورته الأكثر نقاء.
