رئيس التحرير
عصام كامل

لهذا تقدموا!

18 حجم الخط

حين سأل الإعلامي خيري رمضان العالم المصري الراحل أحمد زويل عن مكتبه الصغير داخل معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، بدا السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه كشف فارقًا حضاريًا عميقًا بين فلسفتين في إدارة العلم والمعرفة.
فالعالم الحاصل على جائزة نوبل، الذي تحتفي به أعرق الجامعات، كان يعمل في غرفة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما اعتاد العقل الإداري في عالمنا العربي قياس المكانة العلمية باتساع المكتب وعدد السكرتارية ومساحة النفوذ.

ردّ زويل لم يكن دفاعًا عن بساطة المكان، بل كان تعريفًا لمعنى التقدم ذاته: العلم لا يُنتَج بالمساحات.. بل بالعقول.

في الجامعات الغربية، المنصب وظيفة مؤقتة لخدمة البحث العلمي، أما في كثير من مؤسساتنا الجامعية فقد تحول المنصب إلى غاية في ذاته. هناك، رئيس القسم أو عميد الكلية باحث أولًا، يُقاس حضوره بعدد الأوراق العلمية المؤثرة وبراءات الاختراع والشراكات الصناعية. أما هنا، فكثيرًا ما يُقاس النفوذ بعدد المكاتب الملحقة، والسيارات المخصصة، وحجم البروتوكول الإداري.

 

الفارق ليس ماديًا فقط، بل فلسفي بالأساس. فالجامعة الغربية تنفق على المعمل قبل المبنى، وعلى الفكرة قبل الواجهة، وعلى نتيجة البحث قبل لقب الباحث. بينما تُنفق جامعاتنا مليارات الجنيهات سنويًا على رسائل ماجستير ودكتوراه، تتكدس بعدها الأبحاث فوق الأرفف، لا تنتظر مصنعًا يطبقها، ولا مؤسسة تستثمرها، ولا سياسة عامة تستفيد منها.

 

وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف تتحول آلاف الرسائل العلمية إلى مجرد شرط للترقي الوظيفي، بدل أن تكون محركًا للإنتاج الوطني؟ في الدول المتقدمة، لا تُمنح درجة الدكتوراه إلا إذا أضافت معرفة قابلة للبناء عليها أو التطبيق الصناعي أو المجتمعي. أما في واقعنا، فقد أصبح السؤال الضمني: هل حصل الباحث على الدرجة؟ لا ماذا قدّم للوطن؟

 

نمنح المناصب الجامعية امتيازات واسعة، ونخصص طوابق كاملة للإدارة، بينما قد يعجز الباحث الشاب عن شراء جهاز معملي أو تمويل تجربة علمية بسيطة. نُجيد تكريم الأشخاص، لكننا لا نستثمر نتائج أعمالهم. نحتفي بالشهادات، لكننا لا نبني اقتصادًا قائمًا على المعرفة. ولهذا تقدّموا.. وتأخرنا.

 

تقدّموا لأن الجامعة عندهم جزء من دورة الإنتاج الوطني؛ فالمعمل مرتبط بالمصنع، والبحث مرتبط بالسوق، والتمويل مرتبط بالنتائج. وتأخرنا لأن البحث العلمي انفصل عن احتياجات الدولة الحقيقية، وأصبح مسارًا إداريًا أكثر منه مشروعًا حضاريًا.

 

المشكلة إذن ليست في قلة الإنفاق، بل في اتجاه الإنفاق. وليست في نقص العقول، فالعقول المصرية نفسها تتألق حين تعمل في بيئة تقدّر الفكرة لا الكرسي. يبقى السؤال الأكبر الذي طرحه زويل دون أن يقوله صراحة: هل نريد جامعة تُنتج المعرفة.. أم مؤسسة تمنح الألقاب؟

ولماذا لا تتحول رسائل الماجستير والدكتوراه إلى خطط قومية للتنمية؟ ولماذا يحصل صاحب المنصب على أكبر مساحة، بينما يحصل البحث العلمي على أضيق فرصة؟ ومتى ندرك أن نهضة الأمم تبدأ من معمل صغير قد لا يتجاوز ثلاثة أمتار.. لكنه يحتوي عقلًا قادرًا على تغيير العالم؟

الجريدة الرسمية