رئيس التحرير
عصام كامل

تفاصيل وسط نيران الحرب

18 حجم الخط

بطبيعة الحال، فإن التعامل مهنيا مع وقائع حرب جارية هو عمل إخباري بالدرجة الأولي، وحتى التحليلات تكون شغفا وضرورة للجنرالات المتقاعدين والمفكرين الاستراتيجيين، بأكثر مما تكون للمحللين السياسيين والمهنيين المعنيين في عملنا الصحفي والإعلامي، ذلك أن المشهد جحيم سائل، نيران وحمم وصواريخ تصرخ، وطائرات تشق الجو بالموت شقا شقا ودمار يختلط فيه اللحم البشري بكتل الحجارة والأسمنت.. 

 

كما لا يمكن القول بأن المفاوض الإيراني كان لا يدرك أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل ستقومان بالهجوم علي بلاده في أية لحظة من لحظات التفاوض، وهو ما جرى بالفعل، وسط حملة نفسية منسقة، وخطة خداع استراتيجي متدرجة، قامت علي التهديد ثم التشبث بالدبلوماسية، مع تعدد مصادر الرسائل من البنتاجون ومن الخارجية ومن المخابرات ومن البيت الأبيض.. 

 

والهدف غمر العقل الإيراني بطوفان متناقض من الإشارات لإصابته بضبابية تعميه.. وهو ما تحسب له الإيرانيون بإعلانهم انهم جاهزون تماما وإن أي ضربة ولو محدودة ستكون حربا ممتدة علي إسرائيل وعلي القوات الامريكية في دول الخليج.. 

 

والحق ان الضربات الجوية الأمريكية التى بدأت في وقت مبكر من صباح أمس السبت حققت أهم أهدافها، وهي قتل المرشد الأعلي للنظام الإيراني علي خامنئي، ومعه، ربما، وزير الدفاع، ومعهما ربما قائد الحرس الثوري، ومستشار خامنئي، ومعهم جميعا ابنة المرشد وحفيدته وزوجة ابنه.. 

 

كان ترامب هدد بقتل المرشد ونجله، أو خطفه، ثم لم يلبث أن تراجع مخادعا، ليقول إن الدبلوماسية وسيلته المفضلة.. ثم نفذ فجأة خطته التي اتفق عليها مع نتنياهو قبل أسابيع.. فموعد الضربات أمس كان هو بالفعل الموعد المتفق عليه بينهما، وما كانت جولات التفاوض إلا استغلالا للوقت لاستكمال الحشود وغسل اليدين دوليا مما سيجرى وقد جرى..

 

رغم أن المبرر الأخير لا تكترث له قوة عالمية مصنفة في الضمير الإنساني المتحضر بانها دولة مجرمة بكل معنى الكلمة، تمارس إرهاب القوة الباطشة وابتزاز الضعفاء. والأغنياء والاغبياء مع سيولة المشهد، تتبدي تفاصيل عن توزيع الأدوار بين نتنياهو وترامب، والأول ركز ولا يزال على قتل القيادات، وترامب يركز علي نسف القدرات.. 

 

القدرات النووية هدفهما الأعظم المشترك، والقدرات الصاروخية والمسيرات هدف إسرائيل العاجل المزعج لها، وقد نجحت القدرات التكنولوجية للولايات المتحدة في تعطيل إطلاقات المسيرات الإيرانية، وهي القدرات ذاتها التى تعقبت بها واشنطن خط سير وإقامة المرشد ووزير الدفاع وقائد الحرس ونالت منهم. 

 

بل تأكد قتل أحمدي نجاد رئيس إيران الأسبق مع مقتل المرشد الأعلي حصل فراغ سياسي، وغضب إيراني عارم، تبدلت فيه تهديدات طهران من ضرب القواعد الأمريكية في ست دول عربية إلي ضرب كل ما هو أمريكي أو إسرائيلى في تلك الدول، وهكذا تحول الوسطاء، الأشقاء، إلي هدف للصواريخ والمسيرات الإيرانية.. 

 

بل ضربوا أيضا سلطنة عمان التى قامت بالدور الأساسي في جولات التفاوض، سواء في مسقط أو جنيف، وبإقدام ايران علي ضرب دول الخليج ومعهم الأردن، تكون فتحت ست جبهات إضافية، الرياض والدوحة وأبو ظبي والكويت والمنامة وعمان السلطنة وعمان الأردن، إلي جانب جبهتي إسرائيل وترامب! مع التقاط الأنفاس، وملء الفراغ السياسي، بالرئيس بزشكيان، ورئيس القضاة، وعلى رضا أعرافي، تشن طهران موجات متلاحقة من الصواريخ علي كامل الجغرافيا الإسرائيلية..

ولم يظهر استخدام ملحوظ للمسيرات بسبب التعطيل الإلكتروني لها، ويري محللون عسكريون أن الاستخدام المفرط لمخزون الصواريخ فرط صوتية والبالستية من جانب إيران يعد إهدارا، لما تبقي لديها، ويقدرونه بألف وسبعمائة صاروخ، وكانت ثلاثة آلاف.. لحظة.. لحظة.. ما موقف العرب؟

أهي حربنا؟ سؤال عبثي، إجابته مفتوحة ومريحة لكل من شاء حسب موقعه، لكن القول الفصل إننا صرنا ملطشة لثلاث قوى: أمريكا وإسرائيل وإيران.. وسنظل موضع اللطم والركل مادمنا بلا جيش عربي واحد.. نيتو عربي واحد.. قادة عرب مدركون أن فرط السبحة قادم ووشيك.

الجريدة الرسمية