رئيس التحرير
عصام كامل

حافة الهاوية.. هاوية!

18 حجم الخط

في كل العلاقات الإنسانية، علاقات الدول بعضها ببعض، علاقات الأفراد بعضهم ببعض، توجد بالسليقة نقطة خبث خفية في إدارة العلاقة، واعتصار جواهرها، وهو ما يسمى في السياسة بين الدول المكاسب والامتيازات، ويسمى في علاقات الأفراد الربح والفائدة والارتياح.. 

 

سياسة حافة الهاوية تنهض بطبيعتها علي وجود طرف قوي فاعل ضاغط، يدرك الطرف الأخر أبعاد قوته وفعالية ضغوطه بالقدر ذاته الذي يدرك فيه أنه غير كفء للمواجهة، أو سيتكبد خسائر فادحة إن اختار الذهاب إلي الحافة، وهو المطلوب من الطاغية الضاغط! 

 

سياسة حافة الهاوية مرتبطة تاريخيا باسم جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية، في عهد أيزنهاور، أحد أبرز محاربي الشيوعية في عصر الحرب الباردة، ومن بعده يمارسها اليوم دونالد ترامب بضراوة، وبهلوانية معا، وهذه إضافة في المنهج تحسب للرئيس البرتقالي.. كيف؟ 

 

أنظر خطابه السياسي تجاه إيران.. يتحدث بمنتهى الصلف والغطرسة، يهدد بالحرب، ويرسل الأساطيل، والبوارج، ثم طوال الوقت رغبته في التفاوض والسلام، والتفاوض في قاموسه يعني الخضوع، وهو يرسل اشارات متناقضة على مدار الأربع والعشرين ساعة سبعة أيام إيام في الأسبوع.. 

 

مرة يقول إنه لا يريد تغيير النظام بل يريد أن يعدل سلوكه، ومع زيارة نتنياهو السابعة إلي البيت الأبيض الأسبوع الماضي، تحول الخطاب إلي تغيير النظام وبالفعل أرسل حاملة طائرات ثانية، ويقول ربما أرسل قوات كوماندوز لضرب قواعد محددة في الدولة الإيرانية، ثم يقرن ذلك كله، خطاب الوعيد والتهديد، بفكرة اللقاء بالمرشد الاعلي لإيران، علي خامنئي، ويقول ستكون فكرة لطيفة.. 

 

لطيفة وجميلة وعظيمة مفردات يلوكها الرجل ببساطة، حتى وهو يخطف رؤساء دول أو يبتزّ مواردهم المالية.. يذهب ترامب إذن إلي حافة الجبل، بعدها الهاوية، يعلم أنه قادر علي سحب خصمه إلى آخر سنتيمتر عند الحافة، حتى إذا رأي الهاوية فزع وتراجع.. 

 

هل حسابات الحافة دائما سليمة وصحيحة وتحقق النتيجة المرجوة، والأهداف، ما ظهر منها وما بطن؟ هل حسابات الذهاب إلي حافة الموت والإنهاء تحقق الإخضاع ؟ ليس بالضرورة، ففي الحالة الشخصية يهدم الطرفان المعبد علي رأسيهما وينزفان من عضلة القلب، وفي حالة الدول، تختلف القرارات لأنها تتعلق بمصائر أمم وكرامة شعوب، ومن ثم تكون المقاومة الخيار الأخير الحتمي مهما كان الثمن. 

 

في الحالة الإيرانية، ستكون الحافة مكانا للطرفين، وحتى الطرف البعيد إسرائيل، سيكون علي المحك، لأنه الفاعل الأصلي والمحرض الرئيسي، وخالق حالة الاضطراب الزالزالي بالمنطقة. 

في السياق ذاته، وعلي مستوى الأفراد، يمكن الرجوع للعقل إن قدر الطرفان حجم النزيف، وعلي مستوى الدول يمكن الرجوع عن الحافة إن أدرك الأقوى أنه في مواجهة مفاجآت لم يتحسب لها، تستنزفه وتهز مكانته. في الحالة الإيرانية كل المفاجأت واردة بما فيها تغيير النظام، آو الاتفاق عند الحافة، وقبيل السقوط في الهاوية وهو ما لا تريده إسرائيل. ونتابع..

الجريدة الرسمية
عاجل