رئيس التحرير
عصام كامل

يغيب الجسد.. وتبقي قيمة الأستاذ

18 حجم الخط

في رحيل الكبار لا يفجعنا الغياب بقدر ما تفجعنا المسافة التي تتّسع فجأة بين ما كنّا نظنه ثابتًا في هذا العالم، وما يتبدّد في لحظة.

يرحل الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، فتغيب قامة لم تكن منصبًا في سجل الدولة، بل فصلًا من فصولها الهادئة الشامخة، ذلك النوع من الرجال الذين لا يعلو صوتهم كثيرًا، لكن حين يتكلمون يُعاد ترتيب المعنى من حولهم.

لم يكن مفيد شهاب مجرد أستاذ في القانون الدولي، بل عقلًا قانونيًا تشكّل على فكرة أن القانون ليس نصوصًا جامدة، بل ذاكرة وطن تُصان بالحجة كما تُصان بالتاريخ. ولهذا، حين خاضت مصر واحدة من أدق وأخطر معاركها القانونية في طابا، لم يكن حضوره بروتوكوليًا ضمن وفد تفاوضي، بل كان من العقول التي صاغت المنطق قبل الوثيقة، وأقامت الدليل والحجة قبل التوقيع. هناك لم يكن رجل قاعة محاضرات، بل محامي الجغرافيا.
 

لقد أدرك أن الأرض تُسترد بالوعي بقدر ما تُسترد بالقوة، وأن المعركة القانونية تحتاج إلى هدوء أشد صلابة من الضجيج. فكانت مساهمته امتدادًا لمدرسة مصرية عريقة ترى أن السيادة تُبنى بالحجة المحكمة لا بالشعار المرتفع.

وفي جامعة القاهرة ظل الأستاذ الذي لا يملأ العقول بالمعلومات بل يوقظ فيها القدرة على السؤال. رئيسًا للجامعة لم يتحول إلى إداريٍّ روتيني، بل بقي أستاذًا يرى أن هيبة المؤسسة من هيبة العلم لا من مهابة الكرسي.

كان حضوره في المدرج امتدادًا لحضوره في الدولة: اتزانٌ يعلّم قبل أن يوجّه، وإقناعٌ يسبق القرار.
لكن الوجه الأقل ضجيجًا في سيرته كان وجهه السياسي.

فحين انتقل إلى الوزارة، لم يخرج من عباءة الأستاذ، بل نقلها إلى المجال العام. وزيرًا، لم يكن خطيبًا جماهيريًا بقدر ما كان سياسيًا قانونيًا يرى أن القرار الرشيد هو الذي يمكن الدفاع عنه عقلًا قبل الدفاع عنه إعلامًا. في زمنٍ كان يميل إلى الاستقطاب، بقي هو من مدرسة التوازن: يزن الكلمة كما يزن النص، ويحسب أثرها قبل أن تُقال.

في البرلمان لم يكن صوتًا مرتفعًا، بل صوتًا مرجعيًا يُلجأ إليه حين تتعقّد الصياغة أو تختلط السياسة بالقانون. كان يُمثّل ذلك النموذج النادر: السياسي الذي لا يستهلك القانون لخدمة اللحظة، بل يوظّف اللحظة لخدمة الدولة.
 وربما لهذا بدا مختلفًا؛ فهو لا يتعامل مع المنصب كسلطة، بل كمسؤولية معرفية. ولا يرى الدولة ساحة صراع، بل إطارًا أخلاقيًا لتنظيم المصالح. كان من جيلٍ يؤمن أن الوقار ليس بطئًا، بل سيطرة على الإيقاع. 

وفي وداعه لا يكفي النثر وحده، فبعض الرجال لا تُشيّعهم الكلمات بل تودعهم المعاني:
يمضي الكبارُ وتبقى في المدى قِيَمٌ
كأنهم زرعوا في الأرضِ أعمارا
ما كان صوتُك ضجّاتٍ نردّدها
بل كان ميزانَ فكرٍ يُنبتُ الدارا

إن غاب وجهُك فالأفكارُ شاهدةٌ
أن الحكيمَ وإن وارَى، هُنا سارا
ما مات من جعل القانون أخلاقًا
بل عاش ما دام في الأوطانِ أحرارا

رحل الدكتور مفيد شهاب، لكن الأثر الذي يتركه العلماء من هذا الطراز لا يقاس بسنوات المناصب، بل بعدد المرات التي احتاجت فيها الدولة إلى العقل فوجدته حاضرًا، وإلى الحكمة فوجدته هادئًا، وإلى القانون فوجدته إنسانًا قبل أن يكون نصًا.

يغيب الجسد، لكن تبقى صورة الأستاذ الذي علّم أجيالًا أن الوطنية معرفة، وأن السياسة يمكن أن تكون خلقًا، وأن القانون - في جوهره- عدلٌ يتكلّم بصوتٍ منخفض. لكنه يبقى طويلًا بعد أن يصمت الجميع.

الجريدة الرسمية