فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

لكل زمن أشراره

منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، والشرُّ يسير في الأرض موازيًا للخير، لا يغلبه دائمًا، لكنه لا ينقطع أبدًا. فالحياة لم تخلُ يومًا من أناسٍ اتخذوا من الكيد منهجًا، ومن إيذاء الآخرين هواية، ومن إفساد حياة الناس غاية. تراهم يبتسمون بأفواههم بينما تضمر قلوبهم الحسد والضغينة والشر، ويحسبون أن ما يحققونه من مكاسب زائلة يبرر ما يقترفونه من ظلم أو أذى.

 

وقد لخص القرآن طبيعة هذا الصنف من البشر بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

 

وللشر صور كثيرة؛ فقد يكون ظالمًا متجبرًا يبطش بالناس، وقد يكون موظفًا لا همَّ له إلا النفاق لرئيسه، ودقُّ الأسافين بين زملائه، والتقرب بالوشاية والتملق طمعًا في ترقية أو منفعة. وقد يكون جارًا يفرح لتعثر الآخرين، أو قريبًا يضيق بنجاح غيره. فالشر ليس دائمًا في قبضة البطش، بل قد يختبئ في كلمة نميمة، أو إشاعة مغرضة، أو موقف صامت أمام الظلم.

 

ولذلك قال النبي ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فلما سئل عن نصرة الظالم قال: «تمنعه من الظلم». كما قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فالساكت عن الظلم وهو قادر على إنكاره يفتح للشر أبوابًا جديدة.

 

وفي علم النفس، يفسر كثير من الباحثين السلوك الشرير بأنه قد ينشأ من الحسد والشعور بالنقص وحب السيطرة. فبعض الناس لا يحتمل رؤية غيره ناجحًا أو محبوبًا، فيحاول هدم ما لا يستطيع بناءه. 

وفي علم الاجتماع، يؤكد الباحثون أن انتشار الظلم والنفاق والتواطؤ مع الفساد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الناس، ويهدم ما يسمى بـ«رأس المال الاجتماعي»، أي منظومة الثقة والتعاون التي تجعل المجتمعات أكثر أمنًا واستقرارًا.

 

ولهذا قيل: إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي ولم تستحِ فاصنعْ ما تشاءُ

وقال المتنبي: ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجدْ مرًّا به الماءَ الزلالا

فصاحب النفس المريضة يرى الخير شرًا، ويرى نجاح الآخرين تهديدًا له، ويعيش أسيرًا لمرارةٍ داخلية تفسد عليه دنياه قبل أن تفسد حياة غيره.

 

غير أن الأشرار يغفلون عن حقيقة كبرى، وهي أن الجزاء من جنس العمل. فالظلم وإن طال أمده لا يدوم، والشر وإن بدا منتصرًا في لحظة، فإنه يحمل بذور هزيمته في داخله. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

ومن صور الصراع الدائر في عالمنا اليوم الجدل حول محاولات الترويج لأنماط سلوكية وقيم يراها كثيرون مخالفة لتصوراتهم الدينية والأخلاقية عن الفطرة والأسرة والهوية الإنسانية. ويرى هؤلاء أن تحويل المناسبات الرياضية أو الثقافية إلى ساحات لفرض مواقف أيديولوجية أو ممارسة ضغوط رمزية على الشعوب يمثل تعديًا على حق المجتمعات في التمسك بقيمها ومعتقداتها، وأن احترام التنوع يقتضي كذلك احترام حق المجتمعات في عدم تبني ما يخالف مرجعياتها الدينية والثقافية.

 

إن الشر في جوهره هو كل ما يفسد العلاقات الإنسانية، ويزرع الكراهية، ويهدم القيم، ويحوّل الحياة إلى ساحة صراع دائم. ولذلك كانت أعظم نعم الله على الإنسان أن يعيش في مجتمع تسوده الرحمة والعدل والتعاون، لا الحسد والكيد والشماتة.

 

وما أحوجنا أن نردد دعاء القرآن: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، وأن نسأل الله كذلك أن يصرف عنا شرور الأشرار وكيد الفجار، وأن يجعلنا من الذين إذا قدروا عدلوا، وإذا اختلفوا أنصفوا، وإذا رأوا شرًا سعوا إلى دفعه لا إلى صناعته أو التواطؤ معه.

في حياتي عرفت عددا من الأشرار. لكن شخصا منهم تعاملت معه عن قرب كان شريرا لأقصى درجة، يهوي زرع الفتن بين الناس وكتابة التقارير التي تسيء لهم وتضرهم وللأسف حصل علي مكافأة شره مع أنه فاشل لا يستحق تولي أي موقع، وجزاؤه عند الله.
حقا.. إتق شر من أحسنت إليه!