صرخة البياضي!
لفت انتباهي ما قاله النائب فريدي البياضي بأن الحكومة "جلدها تخين"، وإن النواب يواصلون الصراخ ونقل شكاوى المواطنين، وإنهم لن يصمتوا حتى يحصل المواطن على حقه، مؤكدًا أن دور النائب هو نقل صوت الناس، وأن عدم استجابة الحكومة مسؤوليتها هي.
وإذا كان هذا هو توصيف نائب يمتلك منبرًا دستوريًا للتعبير عن مطالب المواطنين، فما بال المواطن البسيط الذي لا يملك سوى الشكوى اليومية؟ وإذا كان ممثل الشعب نفسه يرى أن تكرار المطالب لا يجد الاستجابة الكافية، فكيف يشعر المواطن الذي ينتظر أن ينعكس كل هذا الحديث على حياته اليومية؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الهجوم، وإنما تستهدف البحث عن إجابات. هل وصلت الرسالة الحقيقية إلى دوائر صنع القرار؟ وهل هناك مراجعة جادة لتأثير الرسوم والأعباء المتراكمة على الأسر المصرية؟ وهل يمكن أن يستمر الإصلاح الاقتصادي إذا شعر المواطن بأنه وحده من يدفع فاتورته؟ وهل يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي دون الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي؟
رأيي أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على التحصيل فقط، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الخزانة العامة وحقوق المواطنين. فالدولة القوية ليست تلك التي تنجح في زيادة إيراداتها فحسب، وإنما التي تستطيع أن تجمع بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، وبين متطلبات التنمية وحماية الإنسان الذي تُقام التنمية من أجله. أما حين يختل هذا التوازن، ويشعر المواطن بأن نصيبه من الأعباء يتزايد بينما يتراجع نصيبه من الخدمات، فإن الأمر يستحق وقفة صريحة ومراجعة جادة.
لم يعد ما يحدث يمكن وصفه بأنه مجرد أزمة اقتصادية أو ظروف استثنائية فرضتها تحديات داخلية وخارجية، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على تفاصيل حياة المواطنين، حتى بدا وكأن كل باب في حياتهم تحول إلى باب للدفع، وكل خدمة أصبحت مرتبطة برسوم، وكل إجراء يحمل تكلفة جديدة. من استخراج الأوراق الرسمية إلى المرافق، ومن التعليم والصحة إلى النقل والخدمات المختلفة، أصبح السؤال الذي يسبق أي خطوة هو: كم سيدفع المواطن هذه المرة؟
وليس الاعتراض على مبدأ الرسوم أو الضرائب، فهي موجودة في كل دول العالم، وإنما على غياب التوازن بين ما يتحمله المواطن من أعباء وما يحصل عليه في المقابل من خدمات تليق بما يدفعه. فالعلاقة بين الدولة والمواطن لا ينبغي أن تُبنى على التحصيل وحده، وإنما على عقد اجتماعي يقوم على الحقوق والواجبات معًا.
ما يثير القلق أن المواطن بات يشعر بأن الحكومة تميل أكثر إلى تعظيم الإيرادات، بينما يتراجع الاهتمام بتخفيف الأعباء وتحسين جودة الحياة. وكأن المواطن أصبح مصدرًا دائمًا للتمويل، لا شريكًا في التنمية، رغم أنه الطرف الذي يتحمل في النهاية آثار التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
وفي المقابل، تظل الأسئلة قائمة: أين التعليم الذي يطمئن الأسرة على مستقبل أبنائها؟ وأين منظومة الصحة التي تحفظ كرامة الإنسان وتحميه من أن يتحول المرض إلى كارثة مالية؟ وأين الخدمات التي يشعر معها المواطن بأن ما يدفعه يعود إليه في صورة طرق أفضل، ومدارس أفضل، ومستشفيات أفضل، وإدارة أكثر كفاءة؟
الواقع الذي يراه الناس يقول إن المواطن يدفع أكثر، بينما يشعر بأنه يحصل على أقل، وهو ما يخلق شعورًا متزايدًا بالإرهاق وفقدان الثقة، ليس في قرار بعينه، وإنما في الطريقة التي تُدار بها العلاقة بين الدولة والمواطن.
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم ما يدخل إلى الخزانة العامة فقط، وإنما بقدرته على تحسين حياة الناس، وخلق فرص العمل، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، وترشيد الإنفاق العام، ومكافحة الهدر، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء، حتى يشعر المواطن بأنه شريك في البناء لا مجرد ممول له.
ولعل ما تحتاجه المرحلة ليس فرض أعباء جديدة، بل مراجعة شاملة للأعباء القائمة، وتقييم أثرها على المجتمع، مع تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية في أوجه الإنفاق، والاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج والصناعة والاستثمار باعتبارها المصادر المستدامة لزيادة الإيرادات، بدلًا من توسيع دائرة الرسوم والتحصيل.
فالمواطن ليس رقمًا في الموازنة، ولا بندًا في جداول الإيرادات، بل هو أساس الدولة وغايتها. وكل إصلاح لا ينعكس على حياته في صورة كرامة وأمان وتحسن في مستوى المعيشة، سيظل إصلاحًا يحتاج إلى مراجعة. إنها ليست دعوة لرفض الإصلاح، وإنما دعوة لأن يكون الإنسان هو نقطة البداية والنهاية في أي سياسة عامة، لأن الأوطان تُبنى بمواطنيها، لا باستنزافهم.
