نبضة قلم
ماذا يخسر العرب بسقوط إيران!
يجد العرب أنفسهم اليوم أمام سؤال مصيري لا يمكن الهروب منه، ولا تأجيله، ولا التعامل معه ببرود سياسي معتاد: في صفّ من يجب أن يقفوا في الصراع المحتدم بين إيران من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟ ليس السؤال عاطفيًا بقدر ما هو سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل المنطقة كلها، وبموازين القوة فيها، وبالقدرة على حماية ثرواتها وقرارها السياسي.
فالواقع يكشف مفارقة لافتة؛ إذ تواجه إيران تحالفًا يمتلك إمكانات عسكرية هائلة. فميزانية الدفاع الإيرانية لا تتجاوز بضعة مليارات من الدولارات، بينما يصل الإنفاق العسكري الإسرائيلي إلى نحو 47 مليار دولار، في حين تتصدر الولايات المتحدة العالم بإنفاق عسكري يقارب تريليون دولار سنويًا. ومع ذلك، استطاعت إيران أن تبني قدرة ردع إقليمية جعلتها رقمًا صعبًا في معادلة القوة، وهو ما يفسر الإصرار الغربي والإسرائيلي على تحجيمها أو إسقاطها.
لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه العرب ليس: هل نتفق أو نختلف مع سياسات إيران؟ بل: ماذا سيحدث للمنطقة إذا سقطت إيران بالفعل في يد خصومها؟ الإجابة تفتح الباب على سيناريو بالغ الخطورة.
فإيران ليست مجرد دولة في صراع سياسي، بل قوة إقليمية تمتلك واحدة من أكبر ثروات الطاقة في العالم. فهي تملك احتياطيًا نفطيًا يقترب من خُمس الاحتياطي العالمي، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي.
وإذا أصبحت هذه الثروات تحت الهيمنة المباشرة أو غير المباشرة للقوى الغربية، فإن ذلك سيمنحها قدرة شبه مطلقة على التحكم في سوق الطاقة العالمي، ومن ثم التأثير في اقتصادات العالم كله، وفي مقدمتها اقتصادات الدول العربية.
والأخطر من ذلك أن سقوط إيران لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة وفق موازين قوة مختلة تمامًا. ففي غياب أي قوة إقليمية قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي الإسرائيلي، ستصبح المنطقة مفتوحة بالكامل أمام سياسات الهيمنة، بما في ذلك إعادة رسم خرائط النفوذ، والضغط على الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا، وربما فرض ترتيبات أمنية جديدة تجعلها أكثر تبعية وأقل قدرة على اتخاذ قرارها المستقل.
وليس خافيًا أن التاريخ الحديث يقدم شواهد واضحة على ذلك؛ فكلما اختلت موازين القوى في المنطقة لصالح طرف واحد، كانت النتيجة مزيدًا من التدخلات الخارجية، ومزيدًا من الحروب، ومزيدًا من السيطرة على الموارد والثروات.
من هنا، فإن المسألة لا تتعلق بالاصطفاف العاطفي مع إيران أو ضدها، بل تتعلق بمبدأ التوازن الاستراتيجي في المنطقة. فوجود قوة إقليمية قادرة على مقاومة الهيمنة الأجنبية يخلق نوعًا من التوازن الذي يحدّ من الانفراد بالقرار الدولي، ويمنح دول المنطقة مساحة أكبر للمناورة السياسية والاقتصادية.
أما إذا انتهت هذه القوة أو جرى إخضاعها بالكامل، فإن ميزان القوى سيميل بصورة غير مسبوقة لصالح التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من فرض الإرادات السياسية والاقتصادية على المنطقة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نقف مع إيران أم ضدها؟ بل: هل نقبل بعالمٍ تُدار فيه منطقتنا بالكامل من خارجها، أم نسعى إلى نظام إقليمي أكثر توازنًا يحدّ من الهيمنة ويصون استقلال القرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة: إما منطقة تمتلك قدرًا من التوازن والاستقلال، أو منطقة تُدار مواردها وثرواتها ومصائر شعوبها وفق حسابات القوى الكبرى.