رئيس التحرير
عصام كامل

ماجستير ودكتوراه.. للوجاهة!

18 حجم الخط

لم تعد الشهادات العليا في مصر تثير ذلك القدر من التقدير الذي كانت تحظى به قبل عقود. ففي زمن مضى، كان الحصول على الماجستير أو الدكتوراه يعني أن صاحبه أضاف معرفة جديدة، أو قدم اكتشافًا أو اجتهادًا علميًا يستحق التقدير. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن تسمع عبارة: «كل من هب ودب يعرف أستاذًا جامعيًا يعمل له ماجستير أو دكتوراه».. 

حتى بدا الأمر وكأن الدراسات العليا تحولت لدى البعض من مشروع علمي إلى مشروع وجاهة اجتماعية، وهو ما يجعلنا نطالب بأن تقتصر تلك الدرجات العالية على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات فقط.. حتى إشعار آخر.


لا أحد ينكر أن توسيع فرص التعليم حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول منح الدرجات العلمية إلى عملية شبه جماهيرية، بلا ضوابط صارمة تضمن الكفاءة والجدارة. فليست القضية في عدد الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، بل في القيمة المضافة التي يقدمونها لوطنهم ومجتمعهم.


لدينا اليوم آلاف من حملة الماجستير والدكتوراه، لكن السؤال الصادم هو: أين إنجازاتهم العلمية؟ أين الاختراعات؟ أين براءات الاختراع؟ أين النظريات الجديدة؟ أين المشروعات التي حلت مشكلة اقتصادية أو زراعية أو صناعية أو صحية أو اجتماعية؟ وأين الباحثون الذين غيرت أبحاثهم وجه الحياة كما حدث في الجامعات الكبرى بالعالم؟


في الدول المتقدمة، لا تُمنح درجة الدكتوراه باعتبارها مكافأة اجتماعية أو لقبًا يسبق الاسم، بل باعتبارها إقرارًا بأن صاحبها أصبح قادرًا على إنتاج معرفة جديدة. الباحث هناك يعمل سنوات داخل مختبرات ومراكز بحثية حقيقية، ويُطلب منه نشر أبحاث في دوريات عالمية محكمة، والدخول في مشروعات بحثية متعددة التخصصات، وربط نتائج بحثه بالصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا. والجامعة نفسها تقاس بعدد براءات الاختراع، وتأثير أبحاثها في الاقتصاد، ومدى مساهمتها في حل مشكلات المجتمع.


أما في مصر، فكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه تنتهي إلى رفوف المكتبات أو الأرشيف الإلكتروني، فلا يقرأها أحد، ولا تتحول إلى منتج أو تقنية أو سياسة عامة أو تطبيق عملي. والأخطر أن عددًا كبيرًا من الباحثين لا يطارد المعرفة بقدر ما يطارد اللقب. 

فالمهم لدى البعض أن يسبق اسمه حرفا «د.»، وأن ينال وجاهة اجتماعية أو ترقية وظيفية أو مكانة معنوية، بصرف النظر عما إذا كان قد أضاف حرفًا واحدًا إلى صرح المعرفة الإنسانية.


إن أزمة الدراسات العليا في مصر ليست أزمة أعداد، بل أزمة فلسفة ومعايير. فقد اختلط الباحث الحقيقي بمن يبحث عن لقب، وأصبح بعض المشرفين الأكاديميين مثقلين بأعداد كبيرة من الرسائل، وتحولت بعض البرامج إلى ما يشبه خطوط الإنتاج، بينما البحث العلمي في جوهره عمل نوعي يحتاج إلى الموهبة والتميز والانضباط الفكري.


ولذلك ينبغي إعادة النظر في منظومة الدراسات العليا بأكملها. فمن غير المنطقي أن يتجه الجميع إلى الماجستير والدكتوراه. هذه الدرجات ينبغي أن تكون للمتفوقين حقًا، ولمن يملكون استعدادًا حقيقيًا للبحث والإضافة العلمية، سواء كانوا من أوائل الكليات أو من أصحاب القدرات البحثية المثبتة. أما تحويل الدراسات العليا إلى مسار مفتوح للجميع، فقد أفضى إلى رخص الشهادات وإضعاف قيمتها العلمية والمجتمعية.


وقد حققت مصر تقدمًا ملحوظًا في حجم النشر العلمي خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد الأبحاث المنشورة دوليًا إلى ما يزيد على 44 ألف بحث سنويًا، وتقدمت مصر في مؤشرات النشر العلمي الدولية وتصدرت إفريقيا في حجم النشر العلمي.  

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: كم بحثًا نشرنا؟ بل: ما نوعية هذه الأبحاث؟ وما حجم أثرها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي؟ وكم منها تحول إلى براءة اختراع أو شركة ناشئة أو منتج أو سياسة عامة أو حل لمشكلة مزمنة؟


إن الأمم لا تقاس بعدد حملة الدكتوراه، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة منتجة. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة لم تنهض لأنها أنتجت ألقابًا أكاديمية، بل لأنها أنتجت علماء ومبتكرين ومراكز أبحاث مرتبطة بالاقتصاد والصناعة والتنمية.


ولذلك يبقى السؤال المؤلم: هل نريد جامعات تصنع المعرفة أم مصانع تمنح الشهادات؟ وهل نريد دكاترة يحملون لقبًا أم علماء يضيفون إلى رصيد الإنسانية؟

إن مصر ليست في حاجة إلى المزيد من الألقاب، بقدر حاجتها إلى باحثين حقيقيين، يؤمنون بأن الدكتوراه ليست نهاية رحلة التعلم، وإنما بدايتها، وأن قيمة العالم لا تُقاس بما يسبق اسمه من حروف، بل بما يضيفه إلى وطنه وإلى المعرفة الإنسانية.
يا وزير التعليم العالي.. وكل من يهمه الأمر. اجعلوا رسائل الماجستير والدكتوراه مقصورة على أعضاء هيئات التدريس فقط!

الجريدة الرسمية