رئيس التحرير
عصام كامل

التعليم الفني بين حلم الجمهورية الصناعية وإعادة تدوير الأزمة

18 حجم الخط

في كل مرة يُطرح فيها ملف التعليم الفني على طاولة النقاش العام، تبدو الصورة كأنها مواجهة بين روايتين، رواية رسمية تتحدث عن مدارس جديدة، وشراكات دولية، ومدارس تكنولوجيا تطبيقية، ومناهج حديثة، وخريجين مؤهلين لسوق العمل.

ورواية أخرى أكثر قسوة تخرج من قلب الفصول المكدسة والأسواق والقطاعات الصناعية التي ما زالت تشكو نقص العامل الماهر رغم ملايين الطلاب الذين مروا على منظومة التعليم الفني.

 

المسافة بين الروايتين هي جوهر القضية. فالسؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة أُنشئت؟ ولا: كم بيانًا صدر؟ ولا: كم مؤتمرًا عُقد؟ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بلا مواربة: لماذا لا يزال الاقتصاد المصري يعاني نقصًا في العمالة الفنية الماهرة رغم أن التعليم الفني يستوعب أكثر من مليوني طالب؟  هنا تبدأ القصة الحقيقية.

أرقام تتحدث ولا تقول كل شيء

وفق البيانات الرسمية للعام الدراسي 2024/2025، بلغ عدد مدارس التعليم الفني نحو 3444 مدرسة، فيما تجاوز عدد الطلاب 2.09 مليون طالب. الأرقام تبدو للوهلة الأولى مطمئنة لكن الأرقام نفسها تثير أسئلة مقلقة.

إذا كانت المدارس قد زادت، والفصول توسعت، فلماذا تراجع عدد الطلاب مقارنة بالعام السابق؟ هل نجحت الدولة في رفع جودة القبول؟ أم أن المجتمع لا يزال ينظر إلى التعليم الفني باعتباره الخيار الثاني؟ وهل المشكلة في المدرسة أم في الثقافة التي تحاصرها؟

عندما تتراجع الثقة المجتمعية في مسار تعليمي رغم كل ما يُضخ فيه من استثمارات، فإن الأزمة لا تكون في المباني بقدر ما تكون في الصورة الذهنية. وهذه معركة أخطر من بناء ألف مدرسة جديدة.

 

أزمة الكيف لا الكم

الحديث عن التعليم الفني في مصر يشبه كثيرًا الحديث عن التنمية نفسها. نحن ننجح غالبًا في زيادة الأعداد. لكننا نتعثر عند سؤال الجودة. المدرسة الفنية ليست سورًا وفصولًا وسبورات. إنها منظومة إنتاج للمهارة. والمهارة لا تُصنع بالقرارات الوزارية وحدها. هناك مدارس تمتلك مباني جيدة لكنها تفتقد المدرس المؤهل. 

وهناك مدارس تمتلك معدات لكنها لا تجد من يدرب عليها. وهناك تخصصات تُدرّس لأن اللوائح القديمة ما زالت تسمح بها، لا لأن سوق العمل يحتاجها. كأننا نجهز طلابًا لوظائف اختفت بالفعل.

إن المأساة الحقيقية ليست في نقص الموارد فقط. بل في الفجوة بين ما يُدرَّس وما يحتاجه الاقتصاد. وهذه الفجوة هي التي تبتلع كل جهود الإصلاح.

 

لماذا نجحت ألمانيا وفشلت تجارب عربية كثيرة؟

السر ليس في الأموال. ولا في التكنولوجيا. ولا في المباني. السر في الفلسفة والنظرية لهذا النوع من التعليم والتدريب. في ألمانيا وسويسرا وكوريا الجنوبية لا يُنظر إلى التعليم الفني باعتباره مسارًا أقل قيمة. العامل الماهر هناك جزء من النخبة الاقتصادية.

أما في مصر وعالمنا العربي فغالبًا ما يُعامل طالب التعليم الفني باعتباره مشروع فشل مبكر. وهنا تقع الكارثة.

عندما يتحول التمييز الاجتماعي إلى سياسة غير معلنة، تصبح كل خطط التطوير مجرد تجميل للأزمة. لا يمكن بناء اقتصاد صناعي بعقلية تحتقر الصناع. ولا يمكن إنتاج فني محترف في مجتمع يربط النجاح بالوظيفة المكتبية فقط.

 

مدارس التكنولوجيا التطبيقية.. نقطة الضوء الوحيدة؟

لا يمكن إنكار أن تجربة مدارس التكنولوجيا التطبيقية تمثل أحد أهم التحولات التي شهدها التعليم الفني خلال السنوات الأخيرة. السبب واضح. لأنها خرجت من عباءة البيروقراطية التقليدية. ربطت المدرسة بالمصنع. وربطت الدراسة بالتوظيف. وربطت الطالب بسوق العمل قبل التخرج. هذه التجربة أثبتت حقيقة بسيطة للغاية: القطاع الخاص يعرف ما يحتاجه أكثر من أي جهة أخرى.

ولهذا فإن مستقبل التعليم الفني لا ينبغي أن يُصنع داخل المكاتب الحكومية فقط. يجب أن يكون أصحاب المصانع والشركات شركاء في كتابة المناهج وتقييم الخريجين وتحديد المهارات المطلوبة. فالاقتصاد لا ينتظر اللوائح. وسوق العمل لا يعترف بالشهادات وحدها.

الجمهورية الجديدة وسؤال المصنع

في الخطاب السياسي المصري تتكرر عبارة الجمهورية الجديدة. لكن لا جمهورية جديدة بلا قاعدة إنتاجية جديدة. ولا قاعدة إنتاجية جديدة بلا تعليم فني قوي. ولا تعليم فني قوي بلا رؤية تتجاوز فكرة التشغيل إلى فكرة التصنيع.

الدول لا تُقاس بعدد خريجي الجامعات. بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية. الصين لم تصبح قوة عالمية لأنها أنتجت أكبر عدد من حملة الشهادات. بل لأنها أنتجت أكبر عدد من المهارات. وكوريا الجنوبية لم تدخل نادي الكبار عبر قاعات المحاضرات فقط. بل عبر الورش والمصانع وخطوط الإنتاج.

السؤال الذي يواجه مصر اليوم ليس تعليميًا فقط. إنه سؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. هل تريد دولة استهلاكية تستورد احتياجاتها؟ أم دولة منتجة تصنع مستقبلها؟

 

التحول إلى مدارس تمارس العمل

الخطأ التاريخي في التعليم الفني المصري أنه ظل لعقود طويلة يشرح العمل أكثر مما يمارسه. كثير من الطلاب يتخرجون وقد قرأوا عن الماكينات أكثر مما تعاملوا معها. يعرفون أسماء المعدات لكنهم لم يستخدموها.يحفظون المناهج لكنهم لا يمتلكون المهارة.لهذا ينبغي أن تتحول المدارس الفنية إلى وحدات إنتاج حقيقية.

أن تصنع وتبيع وتربح.أن يشعر الطالب أن ما ينتجه له قيمة اقتصادية. وأن يشعر المدرس أن نجاحه يقاس بما يخرجه من مهارات لا بما يملأه من دفاتر. عندها فقط سيتغير كل شيء.

 

المعركة الحقيقية قبل التمويل

أخطر ما يواجه التعليم الفني ليس نقص التمويل. ولا عجز المدرسين. ولا حتى قدم المناهج. الخطر الأكبر هو تلك الطبقية التعليمية الراسخة في الوعي المصري. فكرة أن النجاح يمر حصريًا عبر الثانوية العامة. وأن التعليم الفني محطة اضطرارية لمن لم يحالفه الحظ.

هذه الفكرة دمرت أجيالًا كاملة. ودفعت سوق العمل ثمنًا باهظًا لها. في العالم المتقدم يُقاس الإنسان بما يستطيع أن ينجزه. وفي مجتمعاتنا ما زلنا نقيسه أحيانًا بنوع الشهادة التي يحملها. ولهذا تبدو معركة الوعي أكثر أهمية من معركة الأبنية.

 

مصر أمام لحظة فاصلة الآن

ربما تكون مصر اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى إعادة تعريف التعليم الفني. الأرقام تتغير. والمناهج تتطور. والشراكات تتوسع. لكن النجاح لن يُقاس بعدد المدارس ولا بحجم الاحتفالات. سيُقاس بشيء واحد فقط: كم خريجًا حصل على وظيفة حقيقية؟ وكم خريجًا أصبح منتجًا للقيمة لا باحثًا عنها؟

عند هذه النقطة فقط يمكن القول إن التعليم الفني تحول من ملف إداري إلى مشروع وطني. وعند هذه النقطة فقط يمكن أن نصدق أننا لا نبني مدارس جديدة فحسب، بل نبني جمهورية صناعية جديدة.

أما إذا بقيت الفجوة قائمة بين الشعارات والواقع، وبين الورق والمصنع، وبين الخطط والنتائج، فإننا سنكون بصدد إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات أكثر حداثة. وهذا هو الخطر الذي ينبغي أن يقلقنا جميعًا.

الجريدة الرسمية