ماذا كسبت إيران بانتهاء الحرب؟
في السياسة لا تُقاس الانتصارات بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد الطائرات التي عبرت السماء، بل بما يبقى على الطاولة بعد أن يخمد الدخان وتُطوى خرائط العمليات العسكرية.
لهذا يصعب قراءة مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية باعتبارها مجرد اتفاق لوقف التصعيد. إنها، في جوهرها، اعتراف متبادل بحدود القوة. فواشنطن التي دخلت المواجهة وهي تتحدث عن تغيير قواعد اللعبة، خرجت منها وهي تتفاوض على إدارة الأزمة. وطهران التي تعرضت لضربات موجعة وخسائر فادحة، نجحت في منع خصومها من فرض شروط الاستسلام عليها.
لم تسقط الجمهورية الإسلامية، كما كان يراهن بعض خصومها. ولم يُمحَ برنامجها الصاروخي من المعادلة. ولم يتحول ملفها النووي إلى وثيقة إذعان. ما حدث أقرب إلى تسوية اضطرارية فرضها توازن الخسائر أكثر مما فرضتها موازين الانتصار.
كان الهدف الأمريكي المعلن هو إخضاع إيران وإجبارها على تقديم تنازلات استراتيجية. لكن المفاوضات انتهت إلى تأجيل أعقد الملفات، وفي مقدمتها الملف النووي، إلى جولات لاحقة. وعندما تُرحَّل القضايا الجوهرية من ساحة الحرب إلى طاولة التفاوض، فهذا يعني أن الحسم العسكري أخفق في تحقيق أهدافه.
غير أن المشهد الأكثر إثارة لم يكن في نص الاتفاق ذاته، بل في الرسالة التي نُسبت إلى المرشد الإيراني. فالكلمات، في الأنظمة المغلقة، لا تقل أهمية عن القرارات.
للمرة الأولى بدا أن رأس النظام يعلن صراحة أن لديه رأيًا مختلفًا، لكنه قبل بما انتهت إليه المؤسسات السياسية والأمنية. ليست المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل إشارة إلى تغير أعمق في طريقة إدارة السلطة نفسها.
طوال عقود قامت الجمهورية الإسلامية على مركزية القرار تحت مظلة "الولي الفقيه". أما الآن فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. هناك رئيس منتخب يتحرك في مساحة أوسع، ومجلس أمن قومي يشارك في صناعة القرار، ومؤسسة دينية تبدو مستعدة لتقاسم المسؤولية السياسية.
قد يكون ذلك تحولًا حقيقيًا نحو دولة أكثر مؤسساتية. وقد يكون مجرد توزيع للأعباء في لحظة أزمة خانقة. لكن المؤكد أن الرسالة لم تكن موجهة للخارج بقدر ما كانت موجهة للداخل الإيراني.
فالنظام يدرك أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحروب المتعاقبة استنزفت قدرته على إدارة المجتمع بالآليات القديمة نفسها. ومن ثم فإن استعادة شيء من هيبة المؤسسة المنتخبة لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة للبقاء.
لهذا بدا الرئيس مسعود بزشكيان، في لحظة التوقيع، وكأنه يحمل أكثر من وثيقة بين يديه. كان يحمل عبء الرهان على مسار جديد، وقلق الاصطدام بمراكز القوى التقليدية، وخشية أن يتحول إلى واجهة تتحمل وحدها تكلفة النجاح أو الفشل.
يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية تحول في عقد الحكم الإيراني أم أمام مناورة مؤقتة فرضتها ضرورات اللحظة؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة. لكن ما جرى يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: إيران خرجت من المواجهة مثخنة بالجراح، لكنها لم تُهزم. والولايات المتحدة خرجت محتفظة بتفوقها العسكري، لكنها لم تفرض إرادتها كاملة.
وفي مثل هذه الحروب، حين يعجز المنتصر عن إعلان نصر حاسم، ويستطيع الطرف الآخر أن يواصل الوقوف على قدميه، فإن التاريخ يسجل النتيجة باعتبارها فشلًا في الإخضاع أكثر مما يسجلها انتصارًا في الميدان.
