أزمة العدادات الكودية.. كمان وكمان!ّ
لماذا يُعاقَب كثير من المواطنين على خطأ لم يرتكبوه؟! ولماذا يتم تحميل بعض الأسر البسيطة تبعات فساد إداري أو تقصير رقابي أو فشل تنظيمي تراكم عبر سنوات؟! لقد بات المواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف التي تُلقى فوق كتفيها أوزار الجميع؛ من المقاول المخالف، إلى المطور المتجاوز، إلى الموظف الذي غض الطرف، وصولًا إلى الأجهزة التي تأخرت في أداء واجبها الرقابي.
قضية العدادات الكودية ليست في حقيقتها أزمة كهرباء، ولا خلافًا فنيًا حول شرائح الاستهلاك وأسعارها، وإنما هي مرآة عاكسة لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بمواطنيها، وبالسؤال الأهم: من يتحمل ثمن المخالفة؟ المخالف الحقيقي أم المواطن الضحية الذي اشترى شقة ليسكنها هو وأسرته؟
لقد قدمت الحكومة العدادات الكودية للرأي العام باعتبارها حلًا عمليًا لمواجهة سرقات التيار الكهربائي وتقنين أوضاع الوحدات غير المرخصة. وقد تقبل كثيرون هذا الطرح، بل إن قطاعات واسعة من المواطنين رحبت به باعتباره خطوة تضمن وصول الخدمة وتحفظ حق الدولة في تحصيل مستحقاتها.
لكن الأزمة بدأت حين تحولت بعض الإجراءات من وسيلة لتنظيم الأوضاع إلى عبء إضافي على أصحاب الوحدات أنفسهم، خاصة مع إدراج العدادات الكودية ضمن أعلى شرائح الاستهلاك أو التعامل معها باعتبارها حالة استثنائية تستوجب أعباء مالية أكبر، رغم أن كثيرًا من قاطني هذه الوحدات ليسوا طرفًا في المخالفة الأصلية من الأساس.
وهنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه الجميع: إذا كان العقار مخالفًا، فمن سمح ببنائه؟ هذا السؤال هو جوهر الأزمة فالعقار المخالف لا يسقط من السماء، ولا يظهر فجأة بين ليلة وضحاها. إنه بناء يستغرق شهورًا وربما سنوات، تمر خلاله عشرات الجهات الإدارية والتنفيذية والرقابية. هناك حي، ومجلس مدينة، وإدارة هندسية، ومرافق، ومحليات، وتقارير، ومحاضر، ومتابعات يفترض أنها موجودة جميعًا.
كيف ارتفعت الأدوار المخالفة؟ كيف تم بيع الشقق؟ كيف سُجلت العقود؟ كيف سكن المواطنون؟ وكيف وصلت المرافق بصورة أو بأخرى؟ ثم بعد سنوات طويلة يُطلب من المواطن أن يتحمل وحده نتائج هذا المشهد العبثي؟
إن جوهر الأزمة يكمن في الخلط المتعمد بين المخالف الحقيقي والمواطن العادي.. فالمخالف هو من بنى دون ترخيص أو خالف الاشتراطات أو حقق أرباحًا من البناء غير القانوني، أما المواطن الذي اشترى شقة بمدخرات عمره أو بقرض بنكي أو بتحويشة سنوات الغربة، فهو في كثير من الأحيان آخر من يعلم بتفاصيل المخالفة القانونية أو الهندسية للعقار.
لذلك يصبح من الظلم أن تتحول الدولة من مطاردة المخالف الأصلي إلى معاقبة الساكن النهائي. المشكلة الأكبر أن ملف البناء المخالف يكشف عن خلل مزمن في فلسفة الإدارة نفسها، فبدلًا من الرقابة الاستباقية التي تمنع المخالفة قبل وقوعها، اعتادت الأجهزة التنفيذية التدخل بعد اكتمال المخالفة وتحولها إلى واقع قائم.
الحكومة تعرف كيف تهدم برجًا مخالفًا بعد بنائه، لكن السؤال الأصعب: لماذا لم تمنع بناءه من الأساس؟ تعرف كيف تحرر محضرًا بعد بيع مئات الوحدات، لكن لماذا لم تتدخل عند صب أول سقف؟ تعرف كيف تفرض غرامات بعد سنوات، لكن أين كانت الرقابة حين بدأت المخالفة؟
إن تكلفة الرقابة المبكرة أقل كثيرًا من تكلفة معالجة الكوارث بعد وقوعها غير أن البيروقراطية كثيرًا ما تتحرك بعد فوات الأوان، ثم تبحث عن حلول سريعة تدفع ثمنها الفئات الأضعف.
ولعل أخطر ما في أزمة العدادات الكودية أنها تخلق شعورًا متزايدًا لدى المواطنين بأن الدولة تملك دائمًا أدوات العقاب، لكنها تتأخر كثيرًا في استخدام أدوات الوقاية والرقابة ومنع الأزمات والكوارث قبل أن تحدث..
فحين يُسأل المواطن عن سبب غضبه، لا يكون الجواب في قيمة الفاتورة وحدها، بل في الإحساس بعدم العدالة. الناس لا ترفض دفع حق الدولة، ولا ترفض سداد تكلفة الكهرباء، ولا تعترض على محاربة سرقة التيارلكنها تتساءل: لماذا تدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها؟ ولماذا تُحمَّل الأسرة التي اشترت شقة صغيرة مسؤولية سنوات من الغياب الرقابي؟
لقد تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا عن ضرورة حصول كل صاحب حق على حقه. وهذه القاعدة يجب أن تنطبق هنا أيضًا، فمن حق الحكومة أن تحصل على مستحقاتها ومن حقها أن تواجه المخالفين لكن من حق المواطن كذلك ألا يتحول إلى متهم لمجرد أنه اشترى وحدة سكنية في عقار حاصل على تراخيص بناء لكن صاحبه خالف شروط الترخيص وأقام طابقًا غير مرخص وهناك من غض الطرف عنه حتى اكتمل البناء.
ومن حق المواطن أن يحصل على خدمة كهرباء عادلة وفق استهلاكه الفعلي، لا وفق توصيف إداري يعاقبه على مخالفة ارتكبها غيره. إن العدالة الحقيقية لا تتحقق حين تلاحق الدولة النتائج وتترك الأسباب، ولا حين تعالج الأعراض وتتجاهل المرض، ولا حين يصبح المواطن البسيط هو الحلقة الوحيدة التي تدفع الثمن.
فإذا كانت الدولة جادة في تصحيح أخطاء الماضي، فإن البداية يجب أن تكون من مساءلة من سمح بالمخالفة أولًا، ومحاسبة من تقاعس عن الرقابة ثانيًا، ثم حماية المواطن حسن النية ثالثًا. أما أن يُترك المخالف الحقيقي بعيدًا عن دائرة العقاب، بينما يواجه أصحاب الوحدات وحدهم فاتورة الأزمة، فهذا يصنع شعورًا عامًا بالمرارة وفقدان الثقة.
العدادات الكودية ليست مجرد قضية فنية تخص الكهرباء إنها اختبار سياسي وأخلاقي لمعنى العدالة ذاته، فإما أن تنتصر الدولة للمواطن الذي لم يرتكب ذنبًا، وإما أن تظل تدور في الحلقة نفسها: أخطاء تتراكم، وأزمات تنفجر، وفواتير تُرسل دائمًا إلى العنوان الخطأ!
