رئيس التحرير
عصام كامل

الدور الأهم للوزير ضياء رشوان

18 حجم الخط

انتقاد الرئيس المتكرر على الهواء لعجز كبريات مؤسسات الدولة عن تسويق مشروعاتها الوطنية إعلاميا (حجمها وتكاليفها ومردودها الاقتصادي والاجتماعي) هو بمثابة تكليف للوزير ضياء رشوان بمهمة التسويق السياسي لمصر بشكل عام، والرجل مؤهل لذلك بحكم خبراته المهنية والسياسية..

وكونه رئيسا سابقا لهيئة الاستعلامات تمنحه الفرصة لاستعادة الدور المصري الغائب، وربما كان منصب وزير الدولة للإعلام ينقصه تحديد المهام في ظل توزيع نشاط وزارة الإعلام على ثلاث هيئات، حتى كاد يبدو هذا المنصب شرفيا، ولذلك فهناك فرصة لتصبح وزارة الدولة للإعلام هي المنسق بين كل هيئات الدولة للدفاع عن قضايا مصر العادلة والمسكوت عنها.. 

فلدى مصر عشرات القضايا العادلة والمواقف الشريفة التى لا تجد من يسوقها بدء من نضالها مع كل حركات التحرر فى المنطقة، ومرورا بـ التصدي لأطماع إسرائيل، ورفض تهجير الفلسطينيين، وفرض وقف الحرب فى غزة بمعركة دبلوماسية، ولعب أدوار كثيرة فى كواليس وقف الحرب في إيران، وتطهير المنطقة من الإرهاب عقب أحداث ما سمي الربيع العربي، واستضافة نحو عشرة ملايين شقيق، وما كان لبعض المؤلفة قلوبهم أن يتطاولوا على أم الدنيا لو كان لمصر قدر من التسويق السياسي المحترف.. 

محلل واحد إيراني على قناة الجزيرة، أحدث جدلا واستطاع أن يتجاوز فيلقا من المدافعين عن السردية الصهيونية الأمريكية بكل براعة.. ونجح فى تسويق السردية الإيرانية بطريقة إبداعية وحكمة ورقى وأدب، وهذا مثال واحد لكيفية توظيف المفكرين والعلماء فى تحسين صورة الدولة..

وعلى العكس رأينا كيف دهست الدعاية الأمريكية حضارة وأمة عظيمة كالعراق، وصورتهم على أنهم مجموعة من اللصوص إبان الغزو الظالم، وكيف فبركت صورا عن أسلحة نووية لتبرير الغزو، وتعتبر القوة الناعمة من أشهر وسائل النجاح في السياسة الدولية التى يمكن استخدامها لتحقيق الأهداف المرجوة دون حروب أو تدمير أو صراعات أو أي من أدوات الإكراه. 

وتلك نماذج للقدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجذب والإقناع، بدلًا من القسر والإرغام والإكراه حيث تُعد الصورة الذهنية للدول أحد أهم مصادر قوتها الناعمة، فهى ليست مجرد مظهر اتصالي، وإنما رصيد وطني يحدد موقع الدولة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام، ويؤثر على ثقة المستثمرين والشعوب وصنّاع القرار بها.. 

فالصورة الذهنية Nation Brand تعكس ما يتكوَّن فى الأذهان من تصورات ومشاعر حول الدولة وشعبها ومنتجاتها، وهي بذلك أصل استراتيجى يوازي أهمية الموارد الطبيعية والاقتصادية. ولدينا مؤسسات لا تزال شديدة التأثير وذات زخم وتحافظ على مكانتها فى قلب معركة القوة الناعمة.. 

مثل الأزهر الشريف لما له من مكانة لا تضاهيها مؤسسة دينية وتعليمية أخرى فى العالم الإسلامى، حيث يستقبل وفودا من إفريقيا وجنوب شرقي آسيا ودول أخرى، ويتمتع بمكانة عظيمة فى الوجدان، وكذلك الكنيسة المصرية التى تتبعها عدد من الكنائس الشرقية. 

كما أحدث انتشار وسائل الإعلام الجديدة تحوّلًا جذريًا فى الطريقة التى تصل بها المعلومات إلى الجمهور؛ فأصبح المؤثرون بمثابة جسور تنقل المحتوى بسرعة هائلة، متجاوزين القيود الزمنية والجغرافية التى كانت تفرضها الوسائل التقليدية.. 

كما أن القوة الناعمة في مجالات أخرى مثل الرياضة والمؤسسات الدينية والتعليمية وغيرها، في حاجة إلى نظرة أيضًا وبخاصة أن هذا السلاح الشديد التأثير يبدو فاعلا بصورة تفوق في بعض الأوقات القنوات الدبلوماسية التقليدية نفسها، وإن كانت هذه القنوات جزءًا منه أو على الأقل تؤثر في وضعه وحاله.. 

إذ تتخذ المؤسسات المعنية مسارات تبدو جاذبة وجماهيرية تؤثر في الناس بلا حواجز، وتعمل كدعاية تلقائية للبلد وثقافته وصورته الذهنية من دون استعمال أسلوب الدعاية المباشر المتمثل في الإنفاق ببذخ، أو الإلحاح على الترويج لمنتج ما، أو فكرة القوة الحقيقية للدول لا تقاس بحدة الخطاب، بل بقدرتها على إدارة التعقيد، وتحويل الالتزامات إلى أدوات تخدم مصالحها، لا قيودًا تقيد حركتها..

وقد آن الأوان للانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، من إدارة الأزمة إلى التنبؤ بها والاستعداد لها فالدول لا تُفاجأ بالأزمات بقدر ما تُفاجأ بعدم جاهزيتها.

الجريدة الرسمية