رئيس التحرير
عصام كامل

الذين على رؤسهم الريش

18 حجم الخط

بعد الاحتفالية المهيبة لإقامة مدينة جديدة فخمة باستثمارات تريليون و400 مليار جنيه، نزل طوفان الإعلانات عن الحجز والمزايا والذي منه، المشكلة ليست في القيمة الكبيرة لتلك الإستثمارات، وإنما في الأولويات والموقع ونوع المباني. 

 

فهل أولويات مصر في المصانع أم الأبراج السكنية؟ ولا خلاف علي تشجيع الإستثمار حتي لو كان في قطاع متخم بالوفرة ويعاني من ركود في حجم المبيعات، ومشروع لا يستهدف سوي شريحة محددة للغاية من المواطنين والأجانب لا تصل إلي 1٪؜ من إجمالي عدد الراغبين في الشراء، وبالتالي فهي نموذج صارخ لغياب فقه الأولويات، هذه واحدة.. 

 

وثانيا، كيف لبلد حار ومترب، مع أزمة طاقة عالمية وتصحر وإحتباس حراري، ورغم ذلك نتوسع في بناء الأبراج؟ ونستبدل عمارة مثل حسن فتحى ومثل جمال القاهرة الخديوية والتنوع الحضاري الأصيل الموجود في مدن مثل الإسكندرية ورشيد بقبح معماري بلا أصول ولا جمال! 

 

ومن المعروف أن مصر تعيش علي 12٪؜ من مساحتها.. ومعظمها صحراء جرداء خالية.. ثم يأتي مهندسوها واقتصاديوها لكي يبنوا مساكن في تلك الصحاري الشاسعة الخالية علي هيئة أبراج، يعيش الناس فيها مكدسين فوق بعض؟! 

 

بينما أرض الله مفتوحة حولهم من كل الاتجاهات، وأينما وجّهت نظرك بالمدن المصرية وعلى جانبي الطرق السريعة ستواجهك عشرات اللافتات الإعلانية عن مكاتب الاستثمار العقاري. كأن الاسكان قضيتنا الأولى.. وإذا كان الغرض هو السياحة. فلماذا لم ينعش الاستثمار العقاري السياحة؟ ولماذا نسبة الإشغال متدنية؟ 

 

ثالثا، أليست هناك شروطا لفتح الحجز في مثل هذه المشروعات بأن يتم إنجاز 25٪؜ مثلا على أرض الواقع، كشرط لجدية المشروع، وبما يوضح امتلاك صاحب المشروع لرأس المال اللازم للمشروع، وأنه لن يكون من جيب الحاجزين فقط، وبعدها يتم استكمال الاحتياجات المالية من جيوب المواطنين ومدخراتهم؟! 

 

صحيح إن الشركة المالكة والمنفذة للمشروع لها إسما محترما في سوق البناء، ولكن هل تصل إلي حد بدء الحجز وأرض المشروع مازالت صحراء جرداء دون حجرا واحدا؟ ومازلت أتذكر تنبيه الرئيس بعدم إجراء أي حجز إلا بعد تنفيذ 25٪؜ من المشروع، وأصبح هذا شرطا واجبا علي جميع الشركات، لان هناك مواطنين كثر عانوا من شركات إستثمار عقاري مصيفي أو سكني.. 

حيث تلجأ الشركات لاستمرار المشروع  لعدة سنوات من عائد أقساط البيع.. رأس مال المشروع هو البداية فقط لانطلاق مشروع، ثم باقي المصاريف تخصم من أقساط بيع الوحدات.


رابعا، هل أولوية مصر حاليًا هى المزيد من المشروعات العقارية؟ هل الاستثمار في العقارات هو الاستخدام الأمثل لموارد المجتمع؟ 

الحقيقة إن إستمرار التوسع فى مثل هذه المشروعات أمر بالغ الخطأ والخطر.. فمن الخطأ البالغ أن تسعى السياسات العامة نحو توجيه هذا القدر الكبير من موارد المجتمع (متمثلًا فى رؤوس الأموال والمدخرات الخاصة) نحو الاستثمار العقارى.. 

بدلًا من أن إدخاله فى دورة رأس المال التي تمول القطاعات والمجالات ذات الأولوية (من خلال البنوك وسوق المال)، حتى لو حققت الدولة قدرًا من الدخل (الذى يتضاءل إلى جانب حجم المشروع الكلى) ووجهته إلى هذه القطاعات الضرورية.

وأخيرا، نحن -والعالم كله- مقبلون اليوم على سنين عجاف لا نعرف لها عددًا، لا فيها مساعدات ولا قروض ولا حتى استثمار، والصدمات الاقتصادية والاستراتيجية فيها ستكون بلا هوادة.. فهل من العقل إذن إهدار هذا الكم المهول من الموارد فى أصول عقارية، بينما نحن فى أمس الحاجة لتوجيه كل مواردنا المحدودة نحو الإنتاج، والتعليم والصحة، وتعزيز الاعتماد على النفس، خاصة في التكنولوجيا، وزيادة القدرات الدفاعية.. 

وللعلم فإن بداية سعر وحدة سكنية بمساحة 68 مترا مربعا 17 مليون جنيه، واضح إن المشروع وسكانه من الذين علي رؤسهم الريش.

الجريدة الرسمية