رئيس التحرير
عصام كامل

أحزاب خارج الخدمة

18 حجم الخط

في ظل الأزمات التي تحاصر المواطن تكاد تختفي الأحزاب عن المشهد، وتبدو كأنها خارج الخدمة بفعل فاعل، ولا يجد الناس من يدافع عنهم سوى صفحات التواصل الاجتماعي، لدرجة أن هناك صفحات بلوجر أنشط من أكبر الأحزاب ولديهم جماهير ومتابعين أكثر من أعضاء الأحزاب الراهنة، وبات معروفا أن هناك أحزابا تعبر عن مؤسسات وهيئات أكثر مما تعبر عن الواقع المصري.. 

والأمر هكذا راح الناس يتحزبون على صفحات التواصل، بل إن هناك جمعيات خيرية تنشط وأكثر فاعلية من تلك الاحزاب، ولهذا غابت قيم الحوار والسياسة لدرجة أننا شكلنا لجنة للحوار بعيدا عن الأحزاب، وقامت تلك اللجنة بعمل مقدر، ولم يؤخذ بشيء مما اجتمع عليه المتحاورون وأصبحت السياسة في غرف الإنعاش، وهو ما يهدد بتراجع التجربة الحزبية التي يتجاوز عمرها المائة عام، منذ دستور 1923.. 

لا توجد ديمقراطية بلا تعددية ولا تعددية بدون أحزاب، ولا حل لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية إلا بتفعيل حياتنا السياسية وتحسين بيئة العمل السياسي، فكلما كانت البيئة مواتية للحركة السياسية نشطت تلك الحياة وزادت درجة المشاركة الشعبية، وما زالت الأحزاب السياسية المصرية بعد تجربة التأسيس الثالثة التي بدأت في 11 نوفمبر 1976 عندما أعلن السادات في مجلس الشعب تحويل المنابر الثلاثة إلى أحزاب..

من وقتها والأحزاب تراوح مكانها دون أي تقدم يذكر في الأداء، وقد وقر في ضمير كثير من خبراء النظم السياسية أن المصريين لا يميلون إلى الحزبية بمعناها السياسي ودورها فى إدارة البلاد؛ وتحدث بعضهم بإسهاب عن مفهوم التنظيم المسيطر الذى يصل إلى حد يكاد يكون فيه الحزب الأوحد؛ ويضربون على ذلك مثالًا بحزب الوفد الذي ظل لعدة عقود متربعًا في قلوب أتباعه باعتباره حزب الأغلبية الذى يجسد آمال المصريين.. 

حتى كانت ثورة يوليو 1952 التي تغير بها كل شيء، ولكن وجدنا العائلات نفسها تزحف نحو هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي ثم حزب مصر ثم الحزب الوطني الديمقراطي، حتى وصلنا إلى أحداث يناير 2011 وذلك معناه ببساطة أن المصريين يتمركزون حول حزب المصالح أكثر من تجمعهم حول حزب المبادئ..

ويبلغ عدد الأحزاب في أدنى التقديرات 82 حزبًا، وفي أكثرها 112 حزبًا. وهذا العدد كبير للغاية، وهو يفترض أن هناك نحو 112 قضية مصرية جوهرية مختلف عليها، كي يؤسس هذا الكم الهائل من الأحزاب. 

جدير بالذكر أن هذا العدد من الأحزاب نشأ معظمه في الأعوام القليلة التي أعقبت حركة 25 يناير 2011، أي أنه يعبر عن انطلاق بعد بوتقة التضييق على العمل السياسي التي وسمت بها حقبة مبارك، حيث كانت الأحزاب وقتئذ لا يتجاوز عددها 24 حزبًا،عشية أحداث 25 يناير 2011.

واقع الأمر أنه بعد أربعة عقود ونيف من التجربة الحزبية، اتضحت ملامح الاتجاهات الإيديولوجية والفكرية في الساحة السياسة، بوجود أربعة اتجاهات دون سواها، أولها، اليسار ذو الصبغة الاشتراكية. وثانيها، اليمين ذو الصفة الرأسمالية (بغض النظر عن حالة اللبس في انطباق تلك المفاهيم في الواقع المصري عما هو متعارف عليه بشأنها في الغرب). 

وثالثها، تيار الوسط. ورابعهًا، التيار ذو الصبغة الدينية. ويلاحظ أن معظم الأحزاب قريبة من بعضها من حيث البرامج والتوجهات والأفكار والرؤى، ولا توجد بينها اختلافات جوهرية، وبالتالي يمكن دمجها في عدد محدود للغاية.. 

ولا شك أن عدم وجود محاولات جادة في هذا الصدد، يفقد الأحزاب مصداقيتها لدى المواطن من ناحية، ويبقي على ضعفها وهشاشتها من ناحية ثانية.. لذا، إذا اعتبرنا الأحزاب هي أساسا يمين، ووسط، ويسار، فيمكن تقسيم كل منها إلى ثلاثة أقسام (يمين اليمين، وسط اليمين، ويسار اليمين)، وهكذا بالنسبة للقسمين الآخرين، فيكون لدينا تسعة أحزاب فقط بدلا من هذا العدد الضخم الذي نراه..

بالطبع سوف تكون هناك مشكلة المحاصصة، فكل حزب -أو بالأحرى قيادات كل حزب- تريد أن تكون لها مواقعها المتميزة داخل الحزب الكبير، لكن مع صدق النوايا والمثابرة والدأب، يمكن التوصل إلى وضع مرضٍ لكل الأطراف.

الجريدة الرسمية