اللذين أكلوا الوزة
كانوا يقولون إن الوزة مجرد وجبة عابرة على مائدة التاريخ، لكن الحقيقة أن التاريخ نفسه لم يكن سوى مائدة طويلة يجلس عليها بشر جائعون، يحدقون في بعضهم البعض بعينين مملوءتين بالشحوم والريبة، بينما الوزة المسكينة تستلقي في المنتصف كأنها فكرة نبيلة ولدت في الزمن الخطأ ثم ماتت بالتحمير البطيء، والذين أكلوا الوزة لم يكونوا جياع بطون بقدر ما هم جياع معنى أيضا..
أولئك الذين حين رأوا الريش الأبيض قالوا هذا يصلح وسادة لضميرنا، وحين شموا الرائحة قالوا هذه رائحة الفرصة الأخيرة قبل انهيار العالم، فأكلوها بأسنان الفلاسفة وبشراهة الموظفين الحكوميين وبهدوء القتلة المحترفين، ثم جلسوا بعدها يتحدثون عن الأخلاق والعدالة والتقشف وكأن الوزة هي التي التهمت نفسها بنفسها من فرط الوطنية.
والمدهش أن الذين لم يأكلوا الوزة لم يكونوا أفضل حالا لأنهم قضوا أعمارهم يروون حكاية الوزة بحزن مزيف مثل أرامل محترفات في جنازة ممول مجهول المصدر، كانوا يشيرون إلى الدهن العالق على شفاه الآخرين ويصرخون أيها الفاسدون بينما جيوبهم ممتلئة بالملاعق التي كانوا ينتظرون بها دورهم فقط..
فالإنسان في نهاية الأمر ليس كائنا أخلاقيا كما حاول الفلاسفة إقناعنا، بل هو معدة ترتدي بدلة وتحفظ بعض الحكم القديمة لتبدو أقل افتراسا، ولو أن أفلاطون نفسه جلس أمام وزة مشوية في ليلة باردة لربما ألغى الجمهورية وافتتح مطعما على ناصية أثينا.
ثم ظهرت طبقة جديدة أخطر من الذين أكلوا الوزة ومن الذين بكوا عليها، وهم الذين تخصصوا في تحليل الوزة، خبراء استراتيجيون ومحللون سياسيون وأساتذة علم اجتماع يتحدثون ساعات عن دلالات التهام الوزة في السياق الحضاري للأمم النامية، بينما رائحة الثوم ما زالت تخرج من أفواههم..
هؤلاء لا يريدون الوزة نفسها بل يريدون حقوق البث الحصري لمعاناتها، يريدون تحويل الريشة إلى نظرية والدهن إلى مشروع ممول من جهة أجنبية، وإذا سألت أحدهم ماذا نفعل بعد كل هذا الكلام سيعدل نظارته بحكمة مزيفة ويقول لك يجب أن نتعلم من تجربة الوزة، ثم يذهب ليأكل دجاجة أخرى بنفس الشهية ونفس الضمير البلاستيكي.
وفي النهاية لم يبق من الوزة سوى بعض العظام وصورة جماعية ملتقطة بابتسامات عريضة حول المائدة، صورة تشبه العالم تماما حيث الجميع يدعي البراءة والجميع يشكو الجوع، والجميع يخفي في قلبه أمنية صغيرة قذرة، أن يكون هو أول من يلتهم الوزة القادمة قبل أن يصل إليها الآخرون..
وهكذا تستمر البشرية لا لأنها تؤمن بالخير أو العدالة أو الحب.. لكن لأنها ما زالت تعتقد أن هناك وزة إضافية مختبئة في مكان ما وأن دورها في الأكل لم يأت بعد.
