رئيس التحرير
عصام كامل

كيف ننهض بأحوال الصحفيين دون أعباء على الدولة؟!

18 حجم الخط

في خضم التحولات الرقمية العاصفة التي غيّرت وجه العالم، تبدو الصحافة المصرية اليوم واقفة على حافة اختبار وجودي غير مسبوق؛ فالمهنة التي كانت يومًا أحد أعمدة تشكيل الوعي العام، أصبحت تعاني اختناقًا اقتصاديًا يهدد قدرتها على البقاء، بينما تتسع الفجوة يومًا بعد يوم بين القيمة الحقيقية للمحتوى الصحفي، وبين العائد الذي يعود على صُنّاعه ومؤسساته.


وقد جاءت الرسالة التي نشرها الزميل الصحفي مساعد الليثي لتدق ناقوس الخطر بصراحة نادرة، حين طرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في دلالته: كيف تحقق شركات الاتصالات عشرات المليارات من الجنيهات اعتمادًا على المحتوى الرقمي الذي يتصدره المحتوى الصحفي، بينما تغرق المؤسسات الصحفية في الديون، ويعيش كثير من الصحفيين تحت خط الكفاية المهنية والإنسانية؟


إن القضية هنا لم تعد قضية بدل تكنولوجيا أو زيادة أجور فحسب، بل قضية إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين المنتج الحقيقي للمحتوى، وبين المنصات والوسائط التي تحقق من ورائه أرباحًا طائلة.


لقد تغير العالم بالفعل؛ تراجعت الصحافة الورقية، وانتقلت الجماهير إلى الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية، وتحولت الأخبار إلى مادة استهلاكية يومية تستهلكها شركات الاتصالات ومنصات التكنولوجيا ومحركات البحث والذكاء الاصطناعي دون أن يعود للمؤسسات الصحفية نصيب عادل من القيمة الاقتصادية الناتجة عن ذلك التداول الهائل للمحتوى.


ومن هنا تبدو فكرة إنشاء صندوق لدعم الصحافة المصرية خطوة منطقية وليست ترفًا نقابيًا، خصوصًا إذا استندت إلى نموذج اقتصادي عادل لا يحمّل المواطن أعباء جديدة، وإنما يعيد توزيع جزء محدود من العوائد الضخمة التي حققتها شركات الاتصالات مؤخرًا. 

فتخصيص نسبة بسيطة من الزيادات السعرية الأخيرة لصالح دعم الصحافة لا يمثل عبئًا حقيقيًا على الشركات، لكنه قد يمثل شريان حياة لمهنة تواجه خطر التآكل.


فالصحافة ليست مجرد صناعة تبحث عن الربح، بل مرفق وطني يرتبط بحق المجتمع في المعرفة، وبمقاومة الشائعات، وبصناعة الوعي العام، وبحماية المجال العام من الفوضى المعلوماتية. وكلما ضعفت الصحافة المهنية، تمددت الفوضى، وازدهرت المنصات المجهولة، وتراجع الصوت الوطني الرصين.


لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن تعترف الجماعة الصحفية بأن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل نقابية ومؤسسية كذلك. فالسنوات الأخيرة كشفت عجزًا واضحًا عن تطوير أدوات التفاوض، وضعفًا في انتزاع الحقوق الاقتصادية للمهنة، وغياب رؤية متكاملة لإدارة التحول الرقمي، حتى بات كثير من الصحفيين يشعرون أن النقابة تحولت إلى كيان إداري يكتفي بإدارة الأزمات اليومية، دون امتلاك مشروع إنقاذ حقيقي للمستقبل.


ومن هنا، فإن الانتخابات النقابية المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد منافسة على مقاعد، بل لحظة مراجعة تاريخية. المطلوب ليس نقيبًا يرفع الشعارات، بل شخصية تحظى بقدر معقول من الإجماع داخل الجماعة الصحفية، وتملك القدرة على التفاوض الهادئ والفعال مع الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والتشريعية، وقادرة كذلك على فتح حوار حقيقي مع شركات الاتصالات والمنصات الرقمية العالمية بشأن حقوق المحتوى.


فالصحفي الذي يدافع يوميًا عن حقوق الناس، ويواجه الفساد والشائعات ويعبر عن آلام المجتمع، لا يجوز أن يبقى هو نفسه بلا حماية اقتصادية أو استقرار اجتماعي. ومن غير المقبول أن يتحول الصحفي إلى باحث عن لقمة العيش على حساب رسالته المهنية، لأن إفقار الصحافة ليس خطرًا على الصحفيين وحدهم، بل على المجتمع كله.


إن خارطة الطريق لإنقاذ المهنة تبدأ من عدة محاور متوازية: أولها، إقرار تشريع واضح لحماية حقوق المحتوى الصحفي الرقمي، يضمن حصول المؤسسات على مقابل عادل من الشركات والمنصات التي تستفيد من هذا المحتوى. 

وثانيها، إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية القومية اقتصاديًا وإداريًا، وضخ دماء جديدة في إداراتها وغرف تحريرها، مع تطوير أدواتها الرقمية والتكنولوجية.

 وثالثها، تحسين أوضاع الصحفيين المعيشية عبر حد أدنى عادل للأجور، وربط التدريب المهني بالتطور التكنولوجي الحديث. 

ورابعها، الإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات، باعتباره أحد أهم الأسلحة المهنية في مواجهة الشائعات والفوضى المعلوماتية. 

أما خامسها، فهو استعادة النقابة لدورها الحقيقي كقوة تفاوض وضغط وتنظيم مهني، لا مجرد جهة خدمية محدودة التأثير.


لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تحافظ على صحافة قوية، تحافظ في الوقت نفسه على توازنها المجتمعي والسياسي. أما حين تُترك الصحافة للفقر والتآكل، فإن الفراغ تملؤه دائمًا الفوضى والدعاية والرداءة.

ولهذا، فإن السؤال الذي طرحه مساعد الليثي لا يتعلق فقط بحقوق الصحفيين، بل بمستقبل المجال العام المصري كله: هل تدرك الدولة أن حماية الصحافة استثمار في الاستقرار الوطني؟ وهل تدرك الجماعة الصحفية أن لحظة الاختيار المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ المهنة من التراجع والانكماش؟

الجريدة الرسمية