رئيس التحرير
عصام كامل

رفع أسعار باقات الإنترنت.. زيادة أم جباية؟!

18 حجم الخط

جاء قرار زيادة أسعار باقات الإنترنت والمحمول ليثير انتقادات حادة بل وهجوما لاذعا من جانب ملايين المواطنين على شركات الاتصالات، فالزيادات غير المسبوقة التي تراوحت بين 9% و15% دفعة واحدة كانت صادمة وكاشفة عن طبيعة الانحيازات الحكومية ضد المواطنين.


نحن أمام مشهد تخلّت فيه الحكومة عن دورها في حماية المستهلك ومنحت شركات الاتصالات الضوء الأخضر لفرض جباية جديدة تاركة المواطن وحيدًا في مواجهة تغوّل شركات تبني قلاعها من جيوب المنهكين، بينما لا تقدم لهم في المقابل إلا خدمة تترنح على حافة السقوط.

 

تغول الشركات بموافقة "المنظم" وهو الحكومة ممثلة في الجهاز القومي للاتصالات يثير تساؤلات جوهرية حول فلسفة إدارة المرفق العام في مصر. فالدولة التي ترفع شعار التحول الرقمي وتدفع بالناس دفعًا نحو الرقمنة في كل تفاصيل حياتهم، هي نفسها التي ترفع تكلفة هذا التحول إلى حدود تعجيزية.

 

كيف يُسمح برفع الأسعار في ظل تدنٍّ غير مسبوق في جودة الخدمة؟ أين هي تقارير الجودة الدورية التي تُحاسب الشركات على المكالمات الساقطة والسرعات التي تهبط إلى درك التوقف في ساعات الذروة؟ وأين هي الجهات الرقابية من شكاوى المواطنين من شركات الاتصالات؟ 

إن الموافقة على الزيادة دون ربطها بجدول زمني صارم لتحسين البنية التحتية وحفظ حقوق المواطنين، تبدو وكأنها مكافأة لشركات الاتصالات على إخفاقاتها، وليس تحفيزًا لها على التطوير.

 

وفي ذروة الأزمة، تبرز مفارقة موجعة تثير السخرية المريرة؛ وهي تلك الملايين المنهمرة كالمطر على حملات إعلانية "فانتازية" تبثها شركات الاتصالات طوال العام وبخاصة في شهر رمضان من كل عام. 

نرى النجوم يتقاضون أرقامًا فلكية ليقنعوا المواطن المأزوم بأن "الشبكة في جيبه"، بينما هو يبحث عن إشارة واحدة فوق أسطح المباني ليجري مكالمة طوارئ.

 

إن استمرار الإنفاق الدعائي البذخي في لحظة العوز القومي، ليس سوى نوع من الانفصال عن الواقع. هي أموال تُنتزع من باقات الطلاب والعمال لتمويل صور براقة لا تعكس حقيقة الخدمة المترهلة.

 

هذا المشهد ليس مجرد سوء تقدير بل هو استفزاز واضح للمواطنين، ويؤكد أن الأولوية لدى هذه الشركات هي الصورة لا الأصل، والربح لا الخدمة.

 

إن جوهر الأزمة سياسي بامتياز؛ فهو يتعلق بمفهوم الحق في التواصل. في العالم الحديث، لم يعد الإنترنت رفاهية، بل هو شريان حياة للتعليم والعمل والوعي. وعندما تصبح تكلفة هذا الشريان فوق طاقة الاحتمال، فإننا بصدد عملية تجهيل رقمي قسرية لطبقات واسعة من الشعب.

 

لماذا يتحمل المستهلك وحده فاتورة التضخم وتغير سعر الصرف، بينما تظل أرباح الشركات المليارية خطًا أحمر لا يُمس؟ أين هي الحماية الاجتماعية الرقمية التي تضمن وصول الخدمة للفئات المهمشة والطلاب في ظل هذا الغلاء؟

 

إن السياسة التي تدير ملف الاتصالات اليوم تحتاج إلى وقفة مع النفس، وإلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للمواطن بوصفه صاحب حق وليس مجرد رقم حسابي في ميزانيات الشركات.

كما أن صمت الجهاز القومي للاتصالات عن رداءة الخدمة وبذخ الإعلانات، مع المسارعة لرفع الأسعار، هو مسار يكرس الفجوة بين الحكومة والشارع، ويحول التحول الرقمي من حلم بالنهضة إلى عبء ثقيل يضاف إلى كاهل المصريين.

الجريدة الرسمية