حديث الحكومة عن حتمية الغلاء
جاء تصريح رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مؤخرًا بمثابة صدمة حقيقية بعد تأكيده أنه حال انتهاء الحرب على إيران فإن أسعار الوقود في مصر لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل الأزمة. ليست المشكلة في أن تقول الحكومة إن “الأسعار لن تعود كما كانت”.. المشكلة في أن يبدو هذا القول وكأنه نهاية الأمر، لا بدايته.
فالخطابات التي تغلق الأفق، حتى لو استندت إلى حقائق صلبة، تُنتج شعورًا عامًا بأن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل قدر دائم. وهنا، يتحول الاقتصاد من ملف سياسات إلى مزاج عام مشحون بالقلق.
لقد بدا وكأن الحكومة تُعيد تعريف الأزمة في جملة واحدة: ما يحدث نتيجة ظروف دولية، وما سيأتي يتطلب التحمّل.. وهو ما يحمل اختزالًا مقلقًا ويطرح أسئلة عديدة: كيف أُديرت الملفات سابقًا؟ وما حدود المسؤولية الداخلية؟ وما الذي يمكن تغييره الآن؟
فالسياسة ليست فقط شرح “لماذا حدث ما حدث”، بل تقديم “كيف يمكن ألا يتكرر”.. كل أزمة اقتصادية لها وجهان: وجه رقمي، ووجه إنساني. الخطاب الرسمي غالبًا ما يتقن الأول، لكنه يتعثر في الثاني. وحين يغيب البعد الإنساني، تتحول الأرقام إلى جدران صماء.
ماذا يعني ارتفاع الوقود لأسرة محدودة الدخل؟ كيف ينعكس على النقل، والغذاء، والعمل؟ وأين تقف الطبقة الوسطى التي لا تُصنّف فقيرة لكنها لم تعد قادرة على الاحتمال؟ هذه الأسئلة لا تجد مكانها في لغة الحتميات التي يتبناها رئيس الوزراء، لكنها تعيش يوميًا في بيوت الناس.
لم يعد التقشف إجراءً مؤقتًا، بل يتسلل تدريجيًا ليصبح نمط حياة مفروض.. إطفاء الأنوار، تقليل الحركة، إعادة حساب كل جنيه.. كلها تفاصيل صغيرة، لكنها ترسم صورة أكبر: مجتمع يُعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط مستمر.
المشكلة ليست في التقشف ذاته، بل في غياب الإحساس بأنه مرحلة انتقالية نحو وضع أفضل. الإقليم المضطرب وتأثيرات الحرب على الاقتصاد حقيقة لا جدال فيها. لكن تحويله إلى تفسير شامل، يُعفي الداخل من طرح الأسئلة الصعبة.
الدول القوية لا تُنكر تأثير الخارج، لكنها أيضًا لا تسمح له بأن يكون الرواية الوحيدة. والسؤال الذي يبقى معلقًا: ما الذي كان يمكن فعله لتقليل أثر هذه الصدمات؟ وما الذي يمكن فعله الآن لتجنب تكرارها؟
أخطر ما في مثل هذه اللحظات، ليس ارتفاع الأسعار، بل اهتزاز الثقة. الثقة لا تُبنى بالتصريحات،
بل بإحساس الناس بأن هناك عدالة في توزيع الأعباء، ووضوحًا في الطريق. حين يشعر المواطن أنه يدفع وحده، يتحول الغلاء من مشكلة اقتصادية إلى أزمة نفسية واجتماعية.
لقد اختارت الحكومة أن تصدم المواطن. لكن الصدمة، مهما كانت صادقة، لا تُغني عن السياسة. فالسياسة تعني أن تُشرك الناس لا أن تُخطرهم فقط.. أن تفتح باب النقاش لا أن تُغلقه بالحتميات.. أن تقدم مسارات متعددة، لا طريقًا واحدًا اسمه التحمّل.
في النهاية، لا أحد يملك رفاهية إنكار الأزمة. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يُطلب من المجتمع أن يكتفي بدور المتلقي. الناس لا تطلب معجزات، بل تطلب تفسيرًا كاملًا وعدالة واضح وأملًا ممكنًا.
وبين حتمية الغلاء وحق السؤال، تُكتب الرواية الحقيقية لأي دولة تواجه اختبارًا صعبًا أو أزمة حقيقية.
