نار الكشك ونار الحكومة
ما حدث في مدينة "القصاصين الجديدة" بالإسماعيلية لم يكن أمرًا عاديًا، بل كان انفجارًا نفسيًا تمثل في ألسنة لهب التهمت شقا العمر. حين قرر رجب الصغير أن يسبق لودر الحكومة ويشعل النار في كشكه، لم يكن يحرق بضاعة وحوائط من الصاج، بل كان يعلن بصرخة مشتعلة أن الفجوة بين منطق الورق وواقع لقمة العيش قد وصلت إلى نقطة الانفجار.
تقف محافظة الإسماعيلية في هذه الواقعة محتمية بتنفيذ القانون؛ كشك مخالف، قرارات إزالة رسمية، وعرض بمحل بديل. من منظور إداري، الحكومة قامت بواجبها وأبرأت ذمتها. لكن في المقابل، يبرز سؤال يطرحه الشارع بمرارة: كيف يتحول مكان استمر لأكثر من 14 عامًا من واقع معترف به إلى مكان مخالف بين ليلة وضحاها؟
هذا التناقض يضعنا أمام معضلة، فالمواطن الذي استقر في مكانٍ لعقد ونصف، يبني معه علاقة انتماء تتجاوز الترخيص، وحين تأتي الإزالة الفجائية، وإن كانت قانونية، فإنها تضرب، في مقتل، شعوره بالأمان والاستقرار.
لم يكن ما قام به "رجب" تمردًا على النظام بقدر ما كان تعبيرًا عن انسداد الأفق. فالمحل البديل الذي تراه الحكومة حلًا نموذجيًا، قد يراه المواطن قيدًا جديدًا أو مكانًا يفتقر لزبائنه الذين صنعهم عبر السنين.
مشهد إضرام النيران في الكشك يحمل دلالات قاسية أولها اليأس من الحل، حيث فقد المواطن الأمل في أن صوته ومعه أوراقه القديمة ومحاولات ترخيصه سيُسمع، وثانيها إثبات الوجود بالعدم "أحرق رزقي بيدي ولا ينتزعه أحد مني"، وهي ذروة الشعور بالقهر الاجتماعي.
إن نجاح الإدارة المحلية لا يُقاس بعدد التعديات التي أزيلت، بل بعدد المشكلات التي حُلّت دون صخب أو نيران. القانون روح قبل أن يكون نصوصًا، وحين تغيب الروح يتحول الموظف إلى آلة تنفيذية، ويتحول المواطن إلى مشروع ضحية.
كان يمكن لهذا المشهد أن يخرج بسيناريو مختلف، لو أن المحل البديل تم بالتفاهم مع المواطن لا كأمر واقع، ولو أن التمهيد النفسي والاجتماعي سبق اللودر وقوة تنفيذ الإزالة.
ستنطفئ نار "القصاصين" ويُرفع الركام، لكن الحادثة ستبقى جرحًا مفتوحًا في ذاكرة المدينة. القضية لم تكن يومًا كشكًا من صاج، بل كانت وما زالت عن الكرامة وتفهم واقع وحياة الناس. فالدولة القوية هي التي تستطيع فرض نظامها دون أن تدفع مواطنيها لحرق أنفسهم أو أرزاقهم، وهي التي تدرك أن خلف كل قرار إزالة بيت ينتظر رزقه كل يوم.
