مأساة رقية وجريمة الفولي
في فجر يومٍ عادى من أيام قرى بنى سويف المثقلة بالصبر والرضا، خرجت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها صوب مدرستها، يرافقها حلم بسيط بالستر والتعلم، في حقيبتها المدرسية ثلاثون جنيهًا هي ميزانية يوم كامل؛ يبتلع الإسفلت نصفها في رحلة الذهاب والإياب بين القرية والمدينة، بينما يتحول النصف الآخر إلى معادلة بقاء صعبة: رغيفان من الخبز وكيس فول.
لم تكن تدرى هذه الصبية، ابنة قرية نزلة المشارقة، أن هذا الكيس الذى أخفته فى درجها خجلًا واعتذارًا عن ضيق الحال، سيتحول إلى حرز جنائي في محاكمة علنية يقودها مسئول تربوي، قرر أن يفتش في جراح الفقر بدلًا من إنارة العقول.
واقعة مدرسة إهناسيا الثانوية بنات ليست مجرد تصرف فردى طائش يمكن تجاوزه ببيان صحفي، بل هى لحظة كاشفة تعيد تعريف العلاقة المتوترة بين السلطة والمواطن، وهى في أعمق صورها مأساوية.
حين وقف وكيل وزارة التربية والتعليم ببنى سويف، الأستاذ محمود الفولي، أمام درج الطالبة رقية، لم تكن عيناه تبحث عن كتاب مفقود أو كراسة غير مكتملة، بل سقطت عينه على جرم الفقر: كيس فول ورغيفان.
وبدلًا من أن تمر اللحظة بسلام، أو بابتسامة تشجيع تعوض غياب الدعم الحكومى والوجبات المدرسية، اختار المسئول لغة التحريز. طلب من مديرة المدرسة إخراج الطعام أمام زميلات الطالبة، ووجه لها عبارات ساخرة فى جوهرها: “إيه الفول ده؟ هتاكليه إزاي؟ طبعًا هتقعدى في الفسحة تغمسي”.
كلماته سقطت كالسياط على روح فتاة في مقتبل العمر، لم تكن السخرية فيها من الطعام ذاته، بل كانت معايرة صريحة بالحال، واقتحامًا فجًا لخصوصية الستر الذى تحاول أسرة بسيطة الحفاظ عليه بجهدٍ جهيد.
نحن أمام مشهد يعكس الاستعلاء في أوضح صوره. المسئول هنا لا يرى في الطالبة ابنة له أو محورًا للعملية التعليمية، بل يراها مخالفة إدارية يجب تحجيمها. إن تحريز وجبة فتاة هو قمة العبث؛ في مواجهة لقمة حلال في درج طالبة.
هذا السلوك يعكس فكرًا تسرب إلى أروقة الإدارة، حيث يُعامل المواطن البسيط كمتهم محتمل، وتُعامل احتياجاته الإنسانية كأدلة إدانة. والمفارقة المضحكة المبكية، أن المسئول الذى سخر من الفول هو نفسه من يحمل لقبه (محمود الفولي)، وكأن الدراما القدرية أرادت أن تضع النقاط فوق الحروف.. فالأزمة ليست في الأسماء، بل في الفلسفة التى تدار بها المؤسسات التعليمية والتربوية.
إن هذا المسلك هو عرض لمرض أعمق، وهو تحلل الدور الاجتماعى للدولة وتراجع دور المدرسة كحضن آمن للفقراء قبل الأغنياء. كان على وكيل الوزارة أن يسعى لتفسير لماذا كان كيس الفول بالنسبة لرقية هو طوق النجاة الوحيد.
وكان عليه أن يعلم أن التقديرات الاقتصادية لعامى 2025-2026 تشير إلى واقع مؤلم؛ حيث ارتفعت نسبة الفقر في مصر لتتجاوز 34%، ما يعنى انزلاق ملايين المواطنين تحت خط الفقر نتيجة التضخم العنيف.
كما تشير التقديرات إلى أن ريف الوجه القبلى يتصدر قائمة المناطق الأكثر فقرًا، بنسبة تتجاوز 40.7%. هنا ندرك أن والد رقية، ذلك الموظف البسيط الذى يقتطع من قوت يومه ليعطى ابنته 30 جنيهًا، هو بطل حقيقى يحارب طواحين الهواء، ليحافظ على كرامة أسرته، فى ظل ضغوط اقتصادية كبيرة كشفت ستر أسر كثيرة.
وحين يأتى مسئول ليعايره بهذا الكفاح، فهو لا يهين رقية فحسب، بل يهين طبقة كاملة من الشرفاء الذين يرفضون الانكسار أمام الظروف الاقتصادية القاسية.
رقية لم تكن مجرد اسم في خبر، بل هى رمز لجيل يشعر بالحرج من احتياجه، بدلا من أن يشعر المجتمع بالخجل من عجزه عن دعمه. وضعت رقية رأسها على درجها المفتوح، وتركت دموعها تحكى ما عجز لسانها عن قوله أمام سلطة المسئول الذى قرر أن يكون “هو والزمن عليها”.
هذه الدموع لم تكن دموع جوع، بل دموع كرامة سُحقت أمام زميلاتها، وعندما عادت إلى بيتها منهارة، رافضة العودة للمدرسة، كانت تعلن سقوط الأمان النفسي في المكان الذى يُفترض أن يبنى شخصيتها.
إهانة رقية هي إهانة لكل أب مصرى يصارع ليوفر ثمن الفول لابنه. وكلمات والدها: “أنا موظف وأخاف على نفسى من الضرر.. وحق بنتى فوضت أمرى فيه لربنا”، هى وثيقة إدانة لحكومة تجعل المواطن يخشى المطالبة بحقه خوفًا من بطش البيروقراطية أو ملاحقة المسئولين.
لقد سارع المسئول بعد أن تفجرت موجة الغضب على منصات التواصل، لترميم صورته بزيارة تمثيلية واعتذار مصور، مرددًا شعار: “كرامة الطالبات خط أحمر”. ولكن، أين كان هذا الخط حين كان يطلب تحريز الطعام؟ أين كان حين سخر من طريقة تغميس الفول من الكيس؟ إن محاولة تغليف الواقعة بأنها توعية صحية هى عذر أقبح من ذنب؛ فالتوعية لا تبدأ بالتهكم ولا تنتهى بالتحقيق مع الأخصائى الاجتماعى لأنه سمح بوجود طعام داخل فصل.
الاعتذار الحقيقى ليس في الصور، بل في المحاسبة الجادة التى تعيد للتعليم روحه الإنسانية. منطق “مكتبنا مفتوح لمن شعر بالإهانة” هو منطق يكرس الاستعلاء؛ إذ يُطلب من الضحية أن تذهب لجلادها لتبحث عن إنصاف، بدلًا من أن تُرد كرامتها في نفس المكان الذى أُهينت فيه.
المؤلم في حكاية “كيس الفول” هو تحول المدرسة من مؤسسة لتقليل الفوارق الاجتماعية إلى أداة لترسيخها. في الدول التى تحترم مواطنيها، تُقدم الوجبة المدرسية كحق أصيل لحماية كرامة الطلاب ومنع ظهور التفاوت المادى داخل الفصل. أما في حالتنا، فقد تخلت الإدارة عن دورها الاجتماعي، وبدلًا من أن تخجل من غياب هذه الوجبة، دخلت لتعاير الطلاب بفقرهم.
الفتاة لم تأتِ بطعامها لتخالف القواعد، بل لتتجنب الجوع في يوم طويل يمتد بين المدرسة والدروس. لم تضعه على مكتبها بتبجح، بل خبأته في درجها كأنها تعتذر عن احتياجها. وهنا تكمن الجريمة الحقيقية: أن نربى جيلًا يرى في الفقر عيبًا يستحق الإخفاء، بينما يرى المسئول في القبح الإدارى حقًا يستوجب الممارسة.
ستكبر رقية، وقد تنسى تفاصيل المنهج الدراسي، لكنها لن تنسى اللحظة التى شعرت فيها أن بساطتها كانت مادة للتهكم والسخرية. كيس الفول الذى حملتِه يا رقية هو أنقى وأطهر من كل خطابات التبرير، والرغيفان اللذان “حُرّزا” هما شاهدان على مالٍ حلال فى زمنٍ صعب.
ستظل قضية رقية صرخة في وجه مجتمع يجب أن يطالب بتغيير شامل في ثقافة الإدارة، ثقافة ترى في الطالب إنسانًا لا حالة إدارية أو رقمًا في سجلات الحضور. كرامة المصريين ليست شعارًا يُرسم بالكلمات بعد وقوع الكارثة، بل هى واقع يُصان في كل درج مدرسة، وفى كل رغيف خبز يُغمس بكرامة وكبرياء.
حقكِ علينا يا ابنتنا، ويومًا ما سيُدرك غلاظ القلوب أن القلوب الصافية والمال الحلال لا يُكسرون بالمعايرة، بل يزدادون شموخًا بمرور الزمن. إن “كيس الفول” لم يكن مجرد طعام، بل كان اختبارًا للأخلاق، وقد سقط فيه المسئول ونجحت فيه “رقية” بدموعها الطاهرة.
