رئيس التحرير
عصام كامل

السيستم واقع.. حكاية يوم عادي في بنك غير عادي

18 حجم الخط

لم أكن أتصور أن جملة قصيرة، باردة، خالية من أي انفعال، يمكن أن تكون مفتاحًا لحكاية طويلة بهذا القدر من الإرهاق، خرجت من البيت مبكرًا، وفي ذهني ذلك الاطمئنان الذي تمنحه لك التكنولوجيا: حجزت دوري إلكترونيًا في البنك منذ الأمس، لن أنتظر كثيرًا.. كانت تلك أولى الأوهام.


بمجرد دخولي من باب أحد الفروع الكبرى للبنك الأهلي، كان المشهد يوحي بشيء مختلف.. زحام غير معتاد، وجوه متجهمة، وحركة بطيئة كأن الزمن نفسه قرر أن يتثاقل ولا يمر. دخلت، وأنا أُقنع نفسي أن الأمر مؤقت، أن “السيستم” ربما تعثر قليلًا وسيعود سريعًا، لكن ما بدا لي عارضًا، كان في الحقيقة حالة مستقرة.


جلست، مرّت عشر دقائق، ثم ثلاثون، ثم ساعة كاملة، لم يكن هناك ما يحدث، سوى تكرار مشهد واحد: عميل يتقدم، موظف يعتذر، ثم نفس الجملة: “السيستم واقع”. لم تكن تُقال باعتبارها خبرًا، بل كقدر محتوم، كأنها قانون طبيعي لا يُناقش.


مع مرور الوقت، بدأ الصمت يتحول إلى همهمات، والهمهمات إلى شكاوى، ثم إلى غضب مكتوم، رجل في الخمسين كان يقلب أوراقه بعصبية، سيدة مسنة تكاد تتعرض للإعياء، وشاب يحدق في هاتفه كأنما يبحث عن تفسير، الجميع هنا جاء لغرض بسيط: إيداع، سحب، تحديث بيانات، لكنهم وجدوا أنفسهم في اختبار صبر مفتوح لكنه قاسي ولا يطاق.


اقتربت من الشباك، فقط لأفهم، لم أكن أطلب إنجاز الخدمة، بل تفسيرًا لما يحدث، الموظف، بوجهه المرهق، لم ينظر إليّ طويلًا، قالها ببساطة: “السيستم واقع يا فندم”. سألته: “طيب امتى هيشتغل؟” فكانت الإجابة أكثر بساطة: “مش معروف”.


في تلك اللحظة، أدركت أن المشكلة ليست في “السيستم” وحده، بل في هذا “اللا يقين” الذي يحيط بكل شيء، لا أحد يعرف متى تبدأ الخدمة، ولا أحد يملك خطة بديلة، ولا أحد يبدو أنه منزعج بالقدر الكافي لتغيير الوضع.


مرّت ساعتان، ثم ثلاث، أصبح الانتظار أمرًا واقعًا رغم أنف الجميع، لا خدمة تُقدم، ولا حل يُطرح. فقط وقت يُهدر، وأعصاب تُستهلك. حاول بعض الموظفين تهدئة الموقف، لكنهم كانوا يتحدثون من موقع العجز، لا من موقع الفعل.


في لحظة ما، عاد “السيستم”. أو هكذا قيل. تحرك الطابور ببطء شديد، كأن الآلة نفسها ما زالت مترددة في العمل. بدأ إنجاز بعض المعاملات، لكن الزحام كان قد تضخم، والضغط تضاعف، والفوضى أصبحت أقرب إلى القاعدة.


أخيرًا أنهيت ما جئت من أجله بعد أربع ساعات كاملة. خرجت، ليس فقط متعبًا، بل مثقلًا بسؤال أكبر: هل هذه مجرد تجربة سيئة، أم أنها صورة لشيء أعمق؟


ما حدث داخل البنك لم يكن استثناءً. كان نموذجًا مكثفًا لما يحدث في كثير من المؤسسات الحكومية التي تتبنى خطاب التحول الرقمي أو الرقمنة دون أن تملك أدواتها الحقيقية ودون أن تحل أزمة تعطل مراكز البيانات لديها رغم إنفاق ملايين الجنيهات لحل هذه الأزمة. نحن لا نعاني من نقص في التطبيقات أو الأنظمة، بل من غياب الفلسفة التي تجعل هذه الأنظمة تعمل.


فكرة “السيستم” في حد ذاتها تقوم على التنظيم، على تقليل العشوائية، على احترام الوقت. لكن حين يتحول إلى نقطة ضعف، إلى سبب في تعطيل كل شيء، فإنه يفقد معناه. يصبح مجرد واجهة حديثة لواقع قديم.


المشكلة الأعمق ليست في العطل، بل في غياب البديل. في العالم الذي يُفترض أننا نسير نحوه، لا يوجد شيء اسمه توقف كامل. هناك دائمًا خطة “ب”. نظام يدوي، أو شبكة احتياطية، أو توزيع مختلف للعمل. لكن هنا، يبدو أن كل شيء مرتبط بخيط واحد. إذا انقطع، سقط كل شيء.


وهنا يتحول المواطن إلى ضحية. ليس لأنه يجهل التكنولوجيا، بل لأنه يعتمد عليها في نظام لا يضمن استمراريتها. يُطلب منه أن يثق، لكنه لا يجد ما يستحق الثقة.


ثم تأتي مسألة الزحام. ما رأيته لم يكن مجرد عدد كبير من الناس، بل نتيجة مباشرة لسوء الإدارة. حين يتعطل النظام، ولا توجد آلية لتنظيم التدفق، يتحول المكان إلى مساحة ضغط. كل دقيقة تأخير تضيف شخصًا جديدًا، وكل شخص جديد يزيد من الفوضى.


الزحام هنا ليس قدرًا، بل نتيجة. نتيجة لغياب التخطيط، وغياب التوقع، وغياب الاستعداد للأسوأ.
الأخطر من ذلك كله هو ما يمكن تسميته بـ”تطبيع الأزمة”. أن تصبح جملة “السيستم واقع” أمرًا عاديًا، لا يثير الدهشة. أن يتقبلها الناس كجزء من الروتين، لا كخلل يجب إصلاحه.


حين تصل مؤسسة إلى هذه المرحلة، فهي لا تعاني من مشكلة تقنية فقط، بل من مشكلة ثقافة. ثقافة تقبل القصور، وتبرر العجز، وتُحمّل المواطن تكلفة الفشل.


الأمر لا يقتصر على بنك بعينه، ولا على يوم محدد. هو جزء من نمط أوسع، يتكرر في مؤسسات مختلفة، بأشكال متعددة. نفس الجملة، نفس الانتظار، نفس الشعور بأن الوقت لا قيمة له. وفي كل مرة، يتآكل شيء صغير من الثقة. الثقة في الخدمة، في النظام، في الوعود التي تُقال عن المستقبل.


الحديث عن الشمول المالي والتحول الرقمي يفقد معناه حين لا يستطيع المواطن إنجاز معاملة بسيطة في وقت معقول. التكنولوجيا ليست هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة. وإذا لم تحقق هذه الوسيلة غايتها، فإنها تتحول إلى عبء.

 

لقد حان الوقت لتتوقف الإدارات المصرفية عن الاختباء خلف أعذار "السيستم". فالمواطن لا تهمه الأكواد ولا السيرفرات، ما يهمه هو كرامته التي تُهدر على مقاعد الانتظار، وحقه في الحصول على خدمة تليق بآدميته وبأمواله التي يديرها البنك. 

إن لم تستطع التكنولوجيا أن تخدم الإنسان، فهي ليست سوى خردة إلكترونية باهظة الثمن، وإن لم يستطع البنك أن يحترم الموعد المسبق، فعليه أن يرفع لافتة العودة إلى الدفاتر بدلًا من شعارات الحداثة الزائفة.


​إن "السيستم" الحقيقي الذي يحتاج إلى إصلاح، ليس هو القابع في غرف الحاسبات، بل هو "سيستم" الإدارة والعقلية التي ترى في انتظار المواطن أربع ساعات أمرًا عاديًا يمكن تجاوزه بابتسامة صفراء أو اعتذار لا يغني ولا يسمن من جوع.


في النهاية، ما خرجت به من تلك التجربة لم يكن مجرد ضيق من الانتظار، بل إحساس بأن هناك خللًا في ترتيب الأولويات. أن الصورة أهم من الواقع، وأن الإعلان يسبق الإنجاز.

“السيستم” الذي سقط في ذلك اليوم، ليس فقط برنامجً  أو شبكة، بل جزء من تصور كامل عن كيف تُدار الأمور. وما لم يتغير هذا التصور، ستظل الحكاية تتكرر، بأسماء مختلفة، وأماكن مختلفة، لكن بنفس النهاية: موظف يرفع رأسه، ويقول بهدوء: “السيستم واقع”.

الجريدة الرسمية