رئيس التحرير
عصام كامل

يا أيها الفرسان الثلاثة.. تاريخ الفن لن ينصفكم؟! (2)

18 حجم الخط

تحدثنا في المقال السابق عن مفهوم الفنان الحقيقي، وقلنا إنه الفنان الموهوب المثقف الذي يتفاعل مع قضايا ومشكلات مجتمعه، ويعبر عن همومه وتطلعاته، من خلال طرح موضوعات هادفة وحيوية تستشرف المستقبل، وبهذا التوجه يفيد الفنان مجتمعه ويسطر تاريخا ناصعا يعيش على مر الزمان.


وذكرنا أن هذه النوعية من الفنانين كانت مألوفة وحاضرة وبقوة في العصور الذهبية للفن منذ الخمسينيات حتى التسعينيات، وبرحيل معظم نجوم أخر الأجيال الفنية الحقيقية أمثال أحمد زكي ونور الشريف ومحمود عبد العزيز وسعاد حسني، والمخرج عاطف الطيب والمخرج إسماعيل عبد الحافظ والكاتب أسامة أنور عكاشة وغيرهم، ما جعل هذه النوعية نادرة جدًا بين نجوم الفن من الأجيال الحالية.


حيث طغت المادة والشللية وساد أنصاف الموهوبين ومحدودو الفكر وسيطروا على صناعة الفن في كافة مجالاتها، فكانت المحصلة الطبيعية هذا الكم الكبير من الأعمال التافهة والسطحية، والتي تروج للجريمة والبلطجة والعنف وتسيء إلى المجتمع والوطن.. 

وإن حققت بعض الأفلام السينمائية للنجوم مثل كريم عبد العزيز وأحمد عز وأحمد السقا إيرادات ضخمة وغير مسبوقة، ولكن هذا لا يعني أنها أعمال مهمة وهادفة ويحتاجها المجتمع وسيخلدها التاريخ ويخلد نجومها وصناعها.

 إيرادات خادعة

لا شك أنه قد حدثت في السنوات الأخيرة طفرة تقنية هائلة من حيث الشكل والصورة والمونتاج والصوت وكل عناصر العمل الفني في السينما والتليفزيون، هذا فضلًا عن توافر ميزانيات ضخمة لعدد من الأعمال بشكل غير مسبوق مثل مسلسلات الاختيار، نسل الأغراب، الحشاشين، جودر وأفلام كالممر، كيرة والجن، السرب..


وولاد رزق 3 الذي تجاوزت ميزانيته 12 مليون دولار وهي الأعلى لفيلم مصري وعربي في التاريخ متفوقًا على فيلم الرسالة الذي كانت تكلفته 10 ملايين دولار عام 1976! وحصد أكبر إيرادات في تاريخ السينما حتى الآن 260 مليون جنيه، قبل أن يتفوق عليه الفيلم العربي العالمي 7Dogs بطولة النجمين كريم عبدالعزيز وأحمد عز والمقرر عرضه في ال 28 من الشهر المقبل إن شاء الله، والذي بلغت تكلفته 40 مليون دولار أي أكثر من 2 مليار جنيه مصري.


كما حققت غالبية هذه الأفلام التي ذكرناها إيرادات كبيرة تجاوز معظمها ال 100 مليون جنيه، ولكن للأسف معظم هذه الأعمال سواء التليفزيونية والسينمائية لم تكن بالجودة المنتظرة فنيًا وفكريًا، خاصةً مسلسل نسل الأغراب الذي بلغت تكلفته أكثر من 130 مليون جنيه وسقط سقوطًا مدويًا، وفيلم ولاد رزق 3! وهو ما يؤكد على حقيقة أن ليس معنى كون تكلفة العمل ضخمة وإيراداته قياسية أنه عملًا ناجحًا وجيدًا فنيًا.

لا تسطر تاريخًا

وليس معنى حصد مجموعة من الأفلام إيرادات قياسية أنها بذلك دخلت تاريخ السينما من أوسع أبوابه، وأن نجومه سطروا تاريخًا فنيًا حقيقيًا كما فعل أغلب نجوم العصور الذهبية للفن! فالمقياس الحقيقي لكتابة التاريخ هو قيمة وجودة الأعمال ومدى تأثيرها الإيجابي على الناس والمجتمع، وصلاحيتها لأن تعيش على مر الزمان، فاذكروا لي من فضلكم 10 أفلام فقط من هذه النوعية شاهدناها خلال ال 10 سنوات الأخيرة؟!


الإجابة صعبة بالطبع لأن الغالبية العظمى من الأفلام والمسلسلات وإن كانت بدرجة أقل بعض الشيء لا تقدم فنا حقيقيا، ولا موضوعات جادة وهادفة تفيد الناس وتعبر عنهم وعن مشاكلهم،
فهي في واد والناس في واد آخر! تركز هذه الأعمال على الكوميديا دون رسالة أو هدف وعلى العنف والجريمة والأكشن دون مبرر وهكذا.

الفرسان الثلاثة 

إذا أخذنا أمثلة على ذلك من خلال استعراض أفلام وأعمال ثلاثي القمة الذين تربعوا على عرش السينما منذ السنوات الأولى للألفية الجديدة، كريم عبد العزيز وأحمد السقا وأحمد عز، وهم الأكبر والأكثر شعبية وأفلامهم حصدت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما.. 

سنكتشف أن معظم أفلام هؤلاء النجوم السوبر لا تحمل فكرًا أو مضمونًا هادفًا وقويًا يفيد المجتمع ويعبر عنه، وأنها أفلام استهلاكية سريعة التجهيز وقليلة القيمة الفنية ولن تعيش طويلًا مع الناس ولن تصنع تاريخًا حقيقيًا لهؤلاء النجوم.


لأن كل منهم باختصار ليس لديه مشروع فني يعمل عليه ولا هدف محدد وواضح يتوق إلى تحقيقه مثل نجوم الزمن الجميل، حتى وإن كان موهوبًا ومجتهدًا ولكن هيهات هيهات أن تصنع التاريخ الحقيقي، وتصل إلى ما يشبه الخلود دون أن تمتلك ثقافة وفكر ورؤية ووعي بمشاكل وقضايا مجتمعك ووطنك، حتى لو حصدت أكبر الإيرادات والأجور ووصلت إلى أعلى درجات الشهرة والنجومية.


فأحمد السقا وهو أول من وصل إلى النجومية والإيرادات الكبيرة قبل النجمين الآخرين كريم وعز، أفلامه الجيدة والمهمة لا تتعدى أصابع الأيدي الواحدة.. مافيا، تيتو، الجزيرة، المصلحة، كذلك لم تحقق أغلب مسلسلاته النجاح المنتظر ولم تكن جيدة الصنع خاصةً ولد الغلابة ونسل الأغراب، وأخيرًا العتاولة بجزئيه.


وكريم عبد العزيز الذي كان متصدرًا لقمة أعلى الإيرادات في تاريخ السينما بفيلم بيت الروبي حتى أزاحه أحمد عز بفيلم ولاد رزق 3، أعماله السينمائية القوية قليلة جدًا منها.. واحد من الناس، أبو علي، ولاد العم، كيرة والجن، أما رصيده في الأعمال التليفزيونية محدود جدا كان أخر هذه الأعمال  الحشاشين منذ عامين.

وأخيرا ثالث الفرسان أحمد عز فهو في رأيي الأكثر ذكاء بينهم من حيث اختيار أعماله والأكثر بذلًا للمجهود، حتى وإن كانت معظم هذه الأعمال لا ترتقي إلى كتابة تاريخ فني حقيقي يوازي النجومية التي يتمتع بها، ومن هذه الأعمال، ملاكي إسكندرية، مسجون ترانزيت، بدل فاقد، المصلحة، الممر، كيرة والجن، ومسلسلات الأدهم، إكسلانس، هجمة مرتدة.

الجريدة الرسمية