رئيس التحرير
عصام كامل

الفن وسنينه

يا أيها الفرسان الثلاثة.. تاريخ الفن لن ينصفكم؟! (1)

18 حجم الخط

تحدثنا مرارًا وتكرارًا عن مفهوم الفنان الحقيقي، بعيدًا عن النجومية والشهرة والأجور الخيالية، وقلنا إنه من يدرك معنى الفن ودوره الفاعل والمؤثر في مجتمعه ورسالته الحقة، بما يطرحه من قضايا وموضوعات تفيد هذا المجتمع، وتنير له الطريق وتمنحه الأمل دائمًا في مستقبل أفضل، وقد يقدم له الترفيه أيضًا وهذه إحدى وظائف الفن بلا جدال، ولكن دون إسفاف أو أن يستخف بعقله أو يضحك عليه!.

العملة القديمة

ومثل هذه النوعية من الفنانين أصبحت أشبه بالعملة القديمة الأصيلة، نادرة الوجود في هذا الزمان، الذي يسيطر عليه أشباه الفنانين وأنصاف الموهوبين ومحدودو الفكر، الذين لا يعلون كلمة الفن ورسالته ولا يعيرونها أدنى اهتمام، حيث تسود لغة المال ولا صوت يعلو عليها.


هذه النوعية المندثرة اللهم إلا عدد محدود جدًا لا يكاد يذكر أو يؤثر، كانت هي الغالبة والحاكمة والمسيطرة في زمن الفن الجميل في حقبتي الخمسينيات والستينيات، وبعضًا من السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، كان نجومها يبحثون عن كتابة التاريخ والخلود بأعمالهم على مدار الزمان، ينقبون على كل عمل جيد وهادف، ويلهثون وراء كل فكر جديد ومختلف، يفيد الناس دون أي اعتبارات مادية أو بروباجندا فاضية.

 

ومن هذا المنطلق أخرجوا لنا مئات الأعمال العظيمة في السينما والتليفزيون والمسرح والإذاعة، التي مازالت تعيش بيننا حتى الآن، ويستمتع بها الصغير قبل الكبير، ولكن لماذا مثل هذه الأعمال لم تعد موجودة بل نادرة وعلى فترات متقطعة ومتباعدة وبالصدفة أحيانًا؟!

سطروا تاريخا

كان غالبية نجوم الفن وصناعه من ممثلين وكتاب ومخرجين ومنتجين وفنيين في العصر الذهبي
له، يعشقون الفن لذاته دون أي مآرب أخرى، يبذلون الغالي والرخيص من أجله، ولأجل الناس يطرحون الموضوعات التي تهمهم وتشغلهم وتفيدهم وتسعدهم، مدركين تمامًا لدور الفن ورسالته النبيلة في المجتمع، رغم الأجواء الصعبة وقلة الإمكانات المادية والتقنية المتاحة آنذاك.


وكان المناخ والحراك الثقافي السائد آنذاك عاملًا مساعدًا لهم بكل قوة على الإبداع والتميز وتقديم الأعمال الخالدة، التي سعوا إليها بشتى الطرق، وكتبوا بها تاريخهم الحافل بالنجاحات، وسطروا تاريخًا ناصعًا ومشرفًا للفن المصري مازلنا نتباهى ونفتخر به حتى الآن.


فمن منا لا يرفع القبعة تقديرًا واحتراما لمسيرة وأعمال نجوم تاريخيين في مجالات التمثيل والتأليف والإخراج والإنتاج أمثال: نجيب الريحاني، يوسف وهبي، محمود المليجي، حسين صدقي، أنور وجدي، فريد شوقي، شكري سرحان، فاتن حمامة، شادية، سعاد حسني، مديحة يسري، آسيا، رمسيس نجيب، محمود مرسي.. 

ونجيب محفوظ، يوسف السباعي، طه حسين، يوسف إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، صلاح أبو سيف كمال الشيخ، حسين كمال، عاطف سالم، عاطف الطيب، محمد خان، داوود عبد السيد، وحيد حامد، أسامة أنور عكاشة، محمد فاضل، إسماعيل عبد الحافظ، بشير الديك، عادل إمام، نور الشريف، أحمد زكي، نبيلة عبيد، وغيرهم.

الذين شكلوا وجداننا وأفكارنا وأسعدونا بمئات الأعمال الخالدة مثل: الثلاثية، القاهرة 30، الزوجة الثانية، شيء من الخوف، الأرض، جعلوني مجرما، الناصر صلاح الدين، الحرام، دعاء الكروان، سواق الأتوبيس، زوجة رجل مهم، اللعب مع الكبار، المال والبنون، ليالي الحلمية، رحلة السيد أبو العلا البشري، رأفت الهجان، العائلة.

المضحكون الجدد

أشرنا من قبل إلى حدوث تراجع تدريجي في حركة الفن.. سينما وتليفزيون ومسرح كمًا وكيفا مع عصر الانفتاح ،وسيادة القيم المادية ولغة المال على كل نواحي الحياة، بلغت ذروتها في السينما أوائل التسعينيات مع تفاقم ظاهرة أفلام المقاولات، وفي المسرح بعروض الكباريه السياحية الموجهة للعرب، وإن كان التراجع أقل حدة في التليفزيون بعض الشيء.


وكذلك مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة وظهور وبزوغ نجم جيل المضحكين الجدد، من شباب الكوميديا بزعامة محمد هنيدي ثم علاء ولي الدين وهاني رمزي ومحمد سعد، الذين حصدت أفلامهم إيرادات كبيرة وغير مسبوقة، رغم عدم تمتع أغلبها بالجودة الفنية ولا القيمة الفكرية العالية، فكان هدفها الإضحاك فقط ولا أي شيء آخر!


وتزامنت معهم أو بعدهم بقليل أعمال مجموعة من النجوم الشباب على رأسهم أحمد السقا وكريم عبد العزيز وأحمد عز، الذين حاولوا مجاراة هؤلاء المضحكين الجدد، بأفلام تجمع بين الكوميديا والدراما والأكشن، ونجحوا تدريجيًا في ذلك من خلال بعض الأعمال الجيدة مثل مافيا، تيتو، الجزيرة، واحد من الناس، ملاكي إسكندرية، بدل فاقد، ولاد العم،  المصلحة.


إلى أن تفوقوا عليهم وصاروا يتصدرون شباك التذاكر في السنوات الأخيرة، بأفلام ذات تكلفة عالية جدًا حصدت إيرادات قياسية مثل.. الفيل الأزرق، ولاد رزق بأجزائه الثلاثة، خاصةً الأخير منها الذي تجاوزت إيراداته الـ 260 مليون جنيه، وكيرة والجن وبيت الروبي والمشروع.

ولكن هل هذه الأفلام بإيراداتها القياسية التاريخية، تحمل نفس القيمة من الجودة والمضمون والفكر المختلف بما يوازي إيراداتها؟ وهل هذه الأفلام ستصنع تاريخا حقيقيًا لنجومها وصناعها؟

 لا أعتقد ذلك على الإطلاق، وسنوضح أسباب هذا الاعتقاد في المقال المقبل إن شاء الله.

الجريدة الرسمية